آخر تحديث: 3 / 4 / 2025م - 6:50 م

رمالٌ متحرِّكةُ كادَت أنْ تَبلَعني

عقيل المسكين *

المسك:

- في بضعة أشهر عمل والدي مع رجل الأعمال سعود الشافعي في مدينة ابقيق، حيث قام بتنفيذ بعض أعمال النجارة له في بعض مواقع العمل التي كان يتعهد بتنفيذ بعض الأعمال فيها لشركة أرامكو وقتئذٍ، وقد أخذني في بعض الأيام بحيث كان يُجلسني في السكن القريب من مواقع العمل، ويرشدني ألا أخرج بمفردي أو أبتعد عن موقع السكن على الإطلاق.

كما عمل والدي بعض الأعمال لشركة الشويعر، وكان يعمل معهم في التركيبات الكهربائية للأعمدة الخشبية في الطرقات البرية، وكان العمال يذهبون بسيارات نقل خاصة إلى داخل الصحراء لتنفيذ هذه الأعمال التخصصية في الكهرباء، وقد أخذني معه ذات مرة وأجلسني في مقر السكن وكان وقتئذٍ عبارة عن خيام منصوبة لسكن العمال، وكنت أتسلى في ذلك السكن لأنه مجهز تجهيزاً سليماً، وكان يوجد حارس لهذا السكن، وأنا ولد يافع ولست طفلاً صغيراً، وكانت تلك الرفقة مع والدي بمثابة رحلة استكشافية وقد استأذن من رئيس العمل لإحضاري معه، وبالفعل قاموا يشرحون لي الكثير من مهام عملهم، وفي إحدى المرات كان موقع العمل داخل البر، وكان والدي في ذلك الموقع يعمل مع بعض أصدقائه في قمة تلك الأعمدة الخشبية التي يثبتون فيها كيابل الكهرباء على وصلات خاصة بها يتم تركيبها قبل تثبيت تلك الكيابل الطويلة، وفي الأثناء كنت جالسًا في إحدى خيام السكن الخاص بالعاملين مع الحارس الخاص، وكان يجلس في كوخ صغير في بداية الموقع المخصص للخيام، وفي الأثناء رأيت طائرة مروحية قادمة من بعيد، وتقترب من موقع العمل، فلحقتها داخل الصحراء من شدة فرحي بهذه الطائرة، وأطلقت العنان لقَدَمَي حتى ابتعدت نوعاً ما عن المخيم، وأنا أرفع يديّ أؤشر بهما على تلك الطائرة التي أراها قريبة في الجو لأول مرة في حياتي، وكأنني في حلم جميل، وأحببت أن تتوقف هذه الطائرة لأركب مع سائقها ويطير بي في الأعالي لأرى هذه الصحراء وما فيها من هذه الآفاق الواسعة، وهذه السهول الكثيرة والمنخفضات والمرتفعات العجيبة، وهذه المواقع المحتشدة بالعمل والمشاريع التي كنت أشاهدها أثناء السير بالسيارة أثناء المجي، وأثناء الذهاب، وإذا بي قد وصلت إلى بقعة من الرمال الناعمة حتى غاصت قدمي ولم أعد أستطيع الحركة، وبدأت رجلاي تغوصان شيئاً فشيئاً، ولله الحمد والمنة، كان الحارس الذي يجلس في موقع الخيم المخصصة للسكن قد لحق بي، وإذا به يقترب مني وهو يناديني بإسمي، حتى وصل إليّ وكانت الرمال قد وصلت إلى فخذاي، فحفر في الرمال قليلاً ثم جذبني بقوة وحملني إلى الخيمة، وهو يوبخني بكلام لطيف، حتى شعرت بالنجاة والاطمئنان.

وفي الخيمة وبخني والدي بسبب قيامي بهذا التصرف، وكنت خائفًا أن يضربني، ولكنه لم يضربني ولله الحمد، بل اكتفى بتهدئتي، حتى جاء وقت الغذاء، وبعد الانتهاء من الجولة الثانية من العمل، انتهى الدوام، وركبت مع والدي وبعض العاملين في سيارة جيب، وأتذكر أنني كنت جالساً في الكرسي الخلفي للجيب، وكنت ألبس قبعة حمراء ومن شدة الرّيح طارت القبعة وأسفت عليها كثيراً، ولا زلت أتذكر تلك القبعة وقد سرقتها مني تلك الرياح التي رافقتني في تلك الرحلة العملية الجميلة مع والدي من سيهات إلى ابقيق، ثم من ابقيق إلى سيهات، حيث تم نقلنا إلى موقع الشركة في ابقيق وهناك ركبنا باصًا خاصًا للعودة إلى سيهات، وفي الأيام التالية لم يأخذني والدي مرة أخرى إلى أمثال هذه المواقع، وعلمت بعد أشهر قليلة أن والدي انتهى من تنفيذه لتلك الأعمال وعاد للعمل في المنجرة حيث يتابع مع بقية العاملين فيها تلك الأعمال الخاصة بالزبائن من أبواب ونوافذ ودواليب ومطابخ وخلافه.

الروائياتي:

- كأني بك أيّها المسك وأنت تلاحق تلك الطائرة المروحية، بكل حماسة، وأنت في ميعان صباك، - قبل ما يقارب ال نصف قرن من الزمان - تلاحق الأمل الذي رسمته في سبورة ذهنك، من خلال الكثير من الهوايات والرغبات والممارسات التي كنت تقوم بها في ميدان حركتك، بالمدرسة، وبالحيّ، وبالأحياء القريبة، وبالنخيل والمزارع، وعلى شاطئ سيهات، إنه ذلك الطموح الذي تتوق نفسك إلى تحقيقه منذ صباك، وترى هذا الأمل طائراً في الأعالي وأنت تشتاق إلى أن تصل إليه بأي طريقة كانت، لذلك لم تتمالك نفسك ولم تتذكر أي نصيحة قيلت لك للجلوس في الخيمة وعدم الخروج منها، بل انطلقت بهمة كبيرة، وأطلقت لرجليك العنان تسابق الريح، والطائرة تتقدم أمامك وأنت تشير إليها وتناديها بصوتك، وربما رآك من في هذه الطائرة أو لم يرك إلا أن الطائرة تقدمت إلى الأمام متقدمة لطريقها وتقصد الهبوط في موقعٍ ما سواء كان قريباً أم بعيداً، فهذه المناطق كانت - وقتئذٍ - مواقع عمل كثيرة لشركة أرامكو أو لشركة الكهرباء أو لشركات أخرى، وهذا الموقع الذي رافقت فيه والدك هو أحد هذه المواقع، وقد تم إنقاذك من هذا التصرف السريع غير المدروس من قبلك، وربما هناك خلل ما في اتباع أصول الأمن والسلامة، وإلا لم يكن من الأجدر أن يتم اصطحابك لأمثال هذه المواقع لأنها خطرة على الأطفال والصبية غير اليافعين، أو اليافعين ولكن.

الروائياتي:

- ماذا بعد ولكن أيها الروائياتي؟

الروائياتي:

- كنت وقتها يافعاً ولكن آمالك وتطلعاتك كبيرة جداً، وأنا أرى ذلك من خلال شخصيتك الآن ونحن في عام 1446 هـ، بينما هذه الحادثة قد وقعت وأنت في المرحلة الابتدائية كما قلت، وربما كانت عام 1397 هـ، أو 1398 هـ، وأنا متعجب من ملاحقتك للأمل بهذه الطريقة المشوقة والمدهشة، إلا أنني أستطيع أن استشف من قراءة استفادتك من تلك الحادثة القديمة استفادتك التامة منها، وهي كونك لم تقم ببناء ذاتك وشخصيتك على قواعد وأسس واهية، تماماً كما قال هنريك إبسن في مسرحيته ”بيت آل روزمر“: ”لا تبني بيتَك على رمالٍ متحركة“، وأنت بالفعل لم تبنِ حياتك على رمالٍ متحركة بل بنيتها على قاعدة صلبة من الدين والعقيدة والعقل السليم، والفكر المستنير بكتاب اللهِ والصحيح مما ورد من الأحاديث عن الرسول الأكرم ﷺ وأئمة أهل البيت .

المسك:

- شكراً لكم على حسن ظنّكم.