آخر تحديث: 22 / 7 / 2024م - 5:41 م

الساعة التاسعة

عبد الباري الدخيل *

«من أدب الخيال العلمي»

في تمام الساعة التاسعة صباحًا تبدأ سيارات الإسعاف بالتنقل في شوارع المدينة الموبوءة، لجمع جثث الموتى المحشورة في أكياس سوداء وزّعتها الجهات الصحية، لتدفنها في مقبرة خارج البلدة مخصصة لذلك.

تطوف ولا يزاحم طوافها أحد، فالشوارع التي كانت تضج بالحياة ابتلعت حديثها، وأخفت نشاطها، ولملمت ثيابها ثم غادر الفرح طرقاتها، وحلّت الكآبة بثقلها على صدور السكّان، هربت الأسر من الوباء إلى بيوتها، وأقفلت الأبواب والنوافذ.

لا يعلم أحد ما هو سبب انتشار الوباء، لكن هناك من يقول إنه بسبب النيزك الذي سقط في النهر، وتسبب في تلوث الماء.

تلك المدينة التي تسكن بجانب النهر، لا تنام، تعجّ بالحياة، أسواقها مزدهرة، وحركة الناس دائبة ليلًا ونهارًا، والناس يتناوبون على الطرقات، فهذا يذهب وذاك يأتي، السيارات لا تتوقف، والكلاب تنبح طوال اليوم، وأصوات المذياع لا تنقطع من البيوت والمحلات.

هذه المدينة التي تحتضر، لا أحد يعلم متى بدأت الحياة فيها، وكم مضى من عمرها؟، هناك من يقول إنها كانت مزرعة في البدء، ثم تكاثرت البيوت من حولها.

آخرٌ يقول: مسافرون من الصحراء، وصلوا إلى الماء العذب، فاستقرت بهم الركبان، وتحولوا من رعاة إلى مزارعين.

وقال ثالث: بل هي مدينة منذ قديم الزمان، توارث السكن فيها أقوام وحضارات.

لا يهمني كل ذلك، فأنا أعيش مع أبي وأختي في منزل ورثه أبي عن جدي، ولم يرث غيره، وهو كل ما نملك في هذه المدينة، حتى أصلنا، يقال إن جدّي جاء في سفينة، فأحب المكان، وقرر البقاء.

كنّا ننام رغم الإزعاج، ونتنقّل رغم الزحام، ونأكل من خيرات الأرض، ومما يُجلب من أسواق العالم، ونحمد الله كثيرًا على نعمة الأمن والرخاء، لم تتوقف عقارب الساعة حتى جاء ذلك اليوم الذي غيّر كل شيء.

بدأت القصة عندما سقط في النهر شيء مضيء من السماء، يشبه مصباحًا ضخمًا، ثم بدأت الأسماك تطفو على الشواطئ ميتة، وهاجرت الطيور ضفاف النهر بعد أن رأت الأسماك والحيوانات النافقة.

أخذت حالات الاختناق وضيق التنفس تنتشر بين الأهالي، إسهال يصيب الأطفال، حالات تشنج وارتفاع في حرارة الجسم تصيب الجميع.

كانت العيون تنزف دمًا، والأفواه تتقيأ قطعًا كأنها الكبد، الألوان شاحبة، العيون جاحظة، الحديث مختصر بل تحول إلى لغة الإشارة.

لجأ الناس إلى بيوتهم، لكنّ الوباء تسلل إلى غرفهم، وأخذ يختطف الواحد تلو الآخر.

مساء الأمس سقط أبي مختنقًا، وقد نزف من فمه ما بقي من دمه، وتعاونتُ مع أختي لوضعه في الكيس، ولم أستطع صباح اليوم نقله لسيارة الإسعاف لوحدي بعد أن نامت أختي ولم تستيقظ.