آخر تحديث: 24 / 7 / 2024م - 8:03 م

شاعران من الكويت قادمان من عصر «الزندقة»...!

ميرزا الخويلدي * صحيفة الشرق الأوسط

هل كان يظن الشاعر الكويتي فهد العسكر «1917 - 1951» الذي عاش آخر أيامه وحيداً فريداً حزيناً عليلاً كفيفاً في غرفة بائسة، نبذه أهله وعشيرته، ولم يجد سوى خمسة رجال يصلّون على جنازته، ثلاثة منهم فقط شيّعوه إلى قبره، وبالقرب من سكناه ومن بيت أهله كانت قصاصات أشعاره الممزقة تطايرها الرياح... هل كان يظنّ أن عجلة الزمان ستدور يوماً لتمنحه التبجيل والتكريم والاحتفاء؟ وأن المجتمع الذي عدّه يوماً مارقاً زنديقاً سيستدعي تراثه وذِكره ويتتبع أثره ويخلّد سيرته كواحد من الروّاد التنويريين...؟

قبل يومين، استوقفتني صورة لفهد العسكر تزين مدخل مكتبة البابطين في الكويت، أثارت اهتمامي لأتذكر هذا الرجل الذي ظلّ قومه ينبذونه بالكفر والزندقة حتى عاش منبوذاً في سكن للعمال الفقراء، أعلم أن هناك عدداً من الكتب والدراسات التي تناولت سيرته الأدبية والفكرية، وأصبح اليوم رمزاً شعرياً، وهو الذي كان يقول: «كُفي الملامَ وعلّليني/ فالشكُّ أودى باليقينِ/ وتناهبتْ كبدي الشجونَ/ فمَنْ مُجيري؟ مِن شجوني/ وأمضّني الداءُ العياء/ فمَنْ مُغيثي؟ مَنْ معيني/ أنا شاعرٌ أنا بائسٌ/ أنا مستهامٌ فاعذُريني».

لا شكّ أن فهد العسكر الذي توفي شاباً في نحو 34 عاماً من عمره، كان حالة شعرية عابرة للزمان وللمكان أيضاً، تبنى خطاباً فلسفياً ونقدياً لم يكن معهوداً في دولة لم تتشكل بعد، وفي مجتمع ما زال يتلقى تعليمه في «الكُتّاب»، يتماهي ذلك الخطاب مع خطابات عصر النهضة العربية في مصر والشام؛ ولذلك أطلق مجموعة من القصائد التي مثّلت صدمة لمجتمعه البسيط، مثل قصيدته: «ليس عيداً بل مأتم يا صحابي»، اليوم يمكن قراءتها كصورة من الرمزية والمجاز... أما قصيدته «كفي الملام وعلليني» فعجزت أفهمها ضمن سياق الحالة الكويتية، ثمة مبالغة شديدة في الحديث عن وطن السجون: «وطَني وما أقسى الحياةَ/ بهِ على الحُرّ الأمين/ وَأَلَذُّ بينَ رُبوعهِ/ من عيشتي كأسُ المنونِ/ قد كنتَ فردوسَ الدخيل/ وجنّةَ النّذلِ الخئونِ/ لَهَفي على الأحرارِ فيك/ وهم بأعماقِ السجون «!» / ودُموعُهُم مُهَج وأكبادٌ/ تَرَقرَقُ في العيونِ/ «...» وطَني وأدتُ بكَ الشباب/ وكلَّ ما ملَكَت يَميني/ وقَبَرتُ فيكَ مواهبي/ واستَنزَفَت غُللي شُؤوني»...

سبق فهد العسكر، شاعرٌ آخر هو صقر الشبيب «1894 - 1963» هو الآخر كانت بداية تعليمه دينية، وعاش فقيراً كفيف البصر، وتعلقّ بالفلسفة وبأبي العلاء المعري، حتى سماه الشاعر الكويتي خالد الفرج «معري الكويت»: «معري الكويت وبشارها/ هززت من النفوس أوتارها/ وألمستها من دقيق الخيال/ ما كان يعجز أفكارها»، كما تأثر برموز الأدب المصريين، وتبنى منهجاً نقدياً لرجال الدين، تحت عنوان «محاربة التعصب»، وتعرض لمحاولة اغتيال ألزمته بيته حتى وفاته، هو أيضاً رموه بالكفر والزندقة، وهو الشاعر الرقيق الذي يقول: «ولو حل في البحر المحيط أقلُّ ما/ يعانيه قلبي ما جرى فيه مركبُ/ وتصبح إن أصبحتُ نشوى محاجري/ وليس لها إلا من السهد مشربُ/ ظمأت وحاولت الورود فلم أجدْ/ من الوِرد ما يصفو فمن أين أشربُ/ ألا ليت صدر الغيب ما زال كاتمي/ كما يكتم الأسرار حرٌّ مهذبُ/ هو الدهر أما يومه فهْو أرقمٌ/ يصول وأما ليله فهْو عقربُ».

عاش صقر الشبيب فقيراً مدقعاً، يقول واصفاً حاله: «إن شجاكم مني الأنين المديدُ/ فعذابي بالفقر جداً شديدُ/ فأنا اليوم في الكويت أقاسي/ من شقاءٍ ما لا يطيق الحديدُ/ يا بلادا فيها الفقير يعاني/ ما يعاني في ناره نمرودُ».

نقده لرجال الدين، هو الآخر يحتاج إلى دراسة، ففي تلك الفترة كان أغلب من يسميهم «أهل العمائم» يأتون للكويت من خارجها، من حواضر الدول العربية «مصر غالباً»، والكويت في الأعم كانت متسامحة بحكم تركيبتها المختلطة، فمن أين جاءت معركة التنوير في مقابل التيار الظلامي...؟، يقول: «تعِيثُ عمائم الأوغاد فينا/ فساداً باسم دينك يا إلهي/ وليس لهن من قصد سوى ما/ صبون إليه من مال وجاه/ وقد ضقنا بهن اليوم ذرعاً/ لما عنه انكشفن من الشفاه/ بثثن من التعاليم اللواتي/ يَعُدْنَ بكل عقل وهو واهي».

ثم يقول في ردّه على دعاة تكفيره: «فيا ليت شعري ما يريدون بالذي/ يذيعون من كفري المزوّر أو لبسي/ فيا قوم ما هذا التغطرس والجفا/ ودينكم ديني وجنسكم جنسي؟».