آخر تحديث: 14 / 6 / 2024م - 6:35 م

كيف يتغير الدماغ عندما نتعلم القراءة

عدنان أحمد الحاجي *

بقلم نيكولا بيل، لما كانت طالبة دكتورا، في جامعة كوينزلاند الاسترالية

11 مايو 2017

المترجم: عدنان أحمد الحاجي

المقالة رقم 102 لسنة 2024

How the brain changes when we learn to read

PhD student، The University of Queensland

May 11,2017

الآن، وانت تقرأ هذه الكلمات دون الكثير من التفكير أو الجهد الواعي. بسرعة البرق، تتحرك عيناك من اليسار إلى اليمين [والعكس في حالة قراءة نص عربي] عبر الشاشة، محاولآ بطريقة أو بأخرى اصطناع معنى من ما من شأنه أن يكون سلسلة من خربشات سوداء.

القراءة بالنسبة لك ليست عملية سهلة فقط - بل عملية تلقائية. تطالع كلمة ولا تقرأها يكاد يكون ذلك من المستحيلات، لأن تروس معالجة اللغة المكتوبة تبدأ في الحركة بمجرد أن يرى القاريء المتمرس شيئاً مكتوباً [1] .

ومع ذلك، على الرغم من إغراء التفكير في أن القراءة أمر متأصل فينا، فلا ينبغي أن نُخدع. تعلم القراءة ليست عملية سهلة. وليست حتى طبيعية.

الأمثلة الأولى للغة المكتوبة ترجع إلى حوالي خمسة آلاف سنة مضت [2] ، وهي جانب بسيط من ال 60 ألف سنة أو أكثر قضاها الانسان في استخدام اللغة المنطوقة.

وهذا يعني ان نوعنا البشري لم يكن لديه ما يكفي من الوقت لتطوير شبكات دماغ تؤهله لتعلم «القراءة والكتابة». بل كانت كذلك من خلال سنوات من الممارسة والإرشادات التي ساعدتنا على تكوين تلك الروابط العصبية لأنفسنا.

كيف يكتسب الدماغ القراءة

الادمغة تقوم بإعادة تنظيم نفسها باستمرار. في أي وقت نكتسب مهارة جديدة، تصبح الروابط بين الخلايا العصبية، التي تسمح لنا بأداء تلك المهارة، أقوى. وتزداد هذه المرونة العصبية خلال مرحلة الطفولة [3] ، وهذا هو السبب في ان الكثير من التعلم يصبح مضغوطاً ضمن مرحلة ما قبل المراهقة.

عندما يصبح الطفل متعلماً، لا يوجد ”مركز للقراءة“ متجسداً بشكل سحري في الدماغ. ولكن تنشأ شبكة من الوصلات العصبية لربط مناطق الدماغ التي لم تكن مرتبطة مع بعضها سابقاً. القراءة اصبحت وسيلةً للوصول إلى مركز اللغة في الدماغ [ما يعرف بمنطقة بروكا] من خلال البصر، مما يعني أنها تستفيد من الهيكل الذي استخدم بالفعل للتعرف على الأنماط البصرية وفهم اللغة المنطوقة.

رحلة الكلمة

عندما يمر القارئ المتمرس بكلمة مطبوعة، تنتقل تلك المعلومات من عينه إلى الفص القذالي «في الجزء الخلفي من الدماغ»، حيث تتم معالجتها كأي مثير بصري آخر. ومن هناك، تنتقل إلى التلفيف المغزلي الأيسر، والمعروف باسم ”صندوق بريد“ الدماغ. وهو المكان الذي يتم التعرف على الخربشات السوداء كحروف في كلمة. وصندوق البريد هو محطة توقف خاصة في رحلة الكلمة لأنه يتطور فقط نتيجة لتعلم القراءة. وهو غير موجود في الأطفال الصغار جدًًا [4]  أو الراشدين الأميين [5] ، ويكون نشطًا بشكل أقل في الذين يعانون من عسر القراءة [6] ، الذين لديهم فرق بيولوجي في الطريقة التي تعالج بها أدمغتهم نصاً مكتوباً.

تُخزن الكلمات والحروف في صندوق البريد - لا بشكل فردي من الأشكال أو الأنماط المتذكرة «عن ظاهر قلب»، ولكن كرموز. وهذا هو السبب في أن القارئ المتمرس يستطيع ان يتعرف على الكلمة بسرعة، بغض النظر عن نمط الخط «cAsE» أو شكله [7] .

ومم ثم ترحل المعلومات من صندوق البريد إلى الفص الجبه [8]  والزمني من الدماغ، ليعمل على ايجاد معنىً ونطق للكلمة. هذه هي نفسها المناطق التي يتم تنشيطها عندما نسمع كلمة [9] ، لذلك فهي مختصة باللغة، لا مختصة بمجرد القراءة والكتابة.

ونظرًا لأن المعلومات يمكن أن تنتقل بسرعة عبر مسارات المشابك العصبية السريعة للقارئ المتمرس، فإن الرحلة بأكملها تستغرق أقل من نصف ثانية [10] .

ولكن ماذا يحدث في دماغ طفل يبلغ خمس سنوات، والذي لا تزال مسارات مشابكه العصبية السريعة قيد الإنشاء؟

الدماغ النامي

بالنسبة للأطفال الصغار، فإن عملية الانتقال من قراءة المكتوب إلى معرفة المعنى بطيئة ومجهدة. ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن القراء المبتدئين لم ينشئوا بعدُ مخزونًا من الكلمات المألوفة التي يمكنهم التعرف عليها بالرؤية، لذا عليهم بدلاً من ذلك أن ”يستنطقوا“ كل حرف أو ترتيب الحروف الأبجدية.

في كل مرة يمارس الأطفال فك رموز الكلمات، فإنهم يقومون بتشكيل روابط عصبية [دماغية] جديدة بين المنطقة البصرية ومركز اللغة المنطوقة في الدماغ، مضيفين تدريجيًا حروفًا وكلمات جديدة إلى صندوق البريد المهم جداً.

تذكر، عندما يتعرف القارئ المتمرس على كلمة بالرؤية، فإنه بعالج الحروف في تلك الكلمة، لا شكلها [11] . ومن ثم، يمكن للتوجيهات التعليمية أن تدعم تعلم الأطفال من خلال إبراز الطابع الرمزي للحروف - وبعبارة أخرى، من خلال لفت الانتباه إلى العلاقة بين الحروف وأصوات الكلام.

هنا، الأدلة من أبحاث تصوير الدماغ [12]  وأبحاث التعليم تتلاقى لتظهر أن تعليم الصوتيات [13]  في وقت مبكر من حياة الطفل يمكن أن يساعده في بناء شبكة قراءة فعالة في الدماغ.

ما الذي يمكن أن يحمله المستقبل لتطوير التعلم؟

وكما تتطور التكنولوجيا، يجب أيضا ان يتطور تعريفنا لما يعني كون الشخص ”متعلماً“. الأدمغة الشابة تحتاج الآن للتكيف ليس فقط مع اللغة المكتوبة، بل أيضا مع وسائل التواصل السريعة الخطى والتي من خلالها تُعرض اللغة المكتوبة. فقط الزمن كفيل بإخبارنا عن كيف يؤثر هذا في تطور تلك المناطق الدماغية التي هي بمثابة إسفنجة رمادية اللون واقعة بين أذنين.