آخر تحديث: 30 / 5 / 2024م - 5:32 م

الزواج: تفاهم... أولوية…معايير

المهندس أمير الصالح *

يبدو أن عقود الأنكحة تحتاج إلى إدراج وتضمين كمية أكبر من التفاهمات وتحديد الأولويات بين طرفي الزواج قبل الشروع فيه. ولضمان استمرار عش الزوجية لابد من وضع عدد كافٍ من صمامات الأمان أثناء تصميم عقد النكاح، لا سيما في ظل تسجيل نسب الخلع والطلاق المتزايدة والعولمة الإعلامية وتأثيرات السوشل ميديا الاجتماعية السلبية ومواكبة المتغيرات الجيواجتماعية، والعمل الجاد والذكي على تخطي أي مفاجآت ووضع حدود واضحة بين طرفي عقد النكاح. سأحاول من خلال هذا المقال تسليط الضوء على بعض الزوايا المستجدة في عقد النكاح وأطرح وجهة نظر الصوت السائد وكذلك الصوت الخافت في الوقت الراهن.

قريب عهد، كان إدراج الشرطين التاليين في عقود الأنكحة ضمن الشروط التي تطالب بها الزوجة البكر أو أهلها:

1. توفير الزوج لزوجته سكن مستقل للعيش معاً.

2. التعهد بضمان حرية إكمال التعليم للزوجة إلى مرحلة البكالوريوس/الماجستير/الدكتوراه.

في المقابل، لا يدرج الزوج أي شرط في حق زوجته البكر. يومذاك، اعتُبر البعض أن كلا الشرطين، لا سيما بعض أهل ذاك الزمان، أمورًا مستجدة اجتماعيا وعرفيا، ووصفت تلك الشروط من قبل بعض أهالي الزوج بأنها تعجيزية ومخلة بالقوامة وتحريض ضمني على التفلت من وحدة العائلة الكبيرة. وقف البعض موقف المعارض والبعض الآخر موقف المؤيد لها لبعض الوقت. بالمحصلة، ومع مرور الوقت، تقبل المجتمع الشرطين ووضحت معظم عقود الأنكحة الحالية تُدرج كلا الشرطين بشكل شبه تلقائي.

مودة ورحمة أم مكاسب وغنائم؟

حتماً لكل رجل ولكل فتاة معايير لاختيار شريكة/شريك حياته. قد يوفق الرجل/المرأة في انتقاء ما يطابق ويناسب معاييره وقد لا يوفق/لا توفق لذاك. وقد يصل الإنسان بعد الزواج إلى مرحلة الرضا والقناعة بما وفق له من خيار لشريك/ة حياته وقد لا يصل لذلك. في العقود الماضية، كانت الجملة الشهيرة للتعبير عن الموافقة على الخاطب المتقدم هي الجملة الشهيرة ”خذوها بعبائتها“. إلا أنه مع إدراج الشروط المختلفة في عقد النكاح والتفنن في التمسك من قبل كل طرف بمواقفه، سمعنا عن قصص غير سعيدة. مثل زواج امتد عقدين أو أكثر من الزمان، بعض النساء المخلصات وجدن أنفسهن خاليات الوفاض بعد طلاقهن ويرجعن بعد الطلاق إلى بيوت آبائهن أو إخوتهن أو أبنائهن أو دور الضمان الاجتماعي دون أدنى حقوق مالية من قبل أزواجهن تحفظ ماء وجوههن بعد كل تلكم الفترة الزمنية. هذا سيناريو يمكن تسميته بما يردده البعض ”بيت رباكِ صغيرة يلفيكِ كبيرة!“. المشكلة أن البعض من الرجال الأنانيين أوقعوا جورا وظلما وغرورا وغطرسة ظلم كبير على زوجاتهن المخلصات القانتات الصالحات المضحيات. والسيناريو الآخر، بعض النساء وجدن أنفسهن فجأة بواقع جديد وأنهن أمام ضرة لهن، زوجة ثانية، بعد تضحيات جسيمة وتنازلات كثيرة وصبر طويل على أزواجهن. فتشتعل قلوبهن بالحنق والغبن ضد أزواجهن وبالمناوشات ضد ضرائرهن! والحياة تصبح جحيمًا للبعض منهن وقد ينتقل الحنق والعداء بين أبناء كل زوجة ضد إخوتهم من الأب Half brother.

أتى بعد ذلك جيل جديد من النساء ارتأين بأن التعليم هو حبل الأمان والحصن الحصين لتقلبات الزمان وخذلان شريك الحياة بعد تقادم الأيام وتصرم الجمال. وأتى بعد مخاض تجارب عديدة تضمين عقود الأنكحة عند البعض بشرط ضمان حق الاستمرار في التعليم وحق السكن المستقل، أتى جيل نساء آخر ترعرعن وهن يرون بأم أعينهن أحداثًا وتجاذبات غير طيبة بين آبائهن وأمهاتهن أو أقاربهن مع أزواجهن إلى جانب ملاحظاتهن أو سماعهن عن تراشقات وتلاسنات داخل بيوت المتخالفين من الأزواج. فتشبعت بعض أولئك الفتيات بفكرة وجوب استحصال الضمانات المالية المسبقة والسعي نحو الاستقلال المالي من جهة. والبعض الآخر منهن وقعن في فخاخ الدعوات الأيديولوجية المتطرفة للنسويات اليساريات وكرهن حكم التعدد في الزواج لمعايشتهن نماذج فاشلة في إدارة بيت الزوجية، فعزفن عن فكرة الزواج من الأساس وحرضن الأخريات على ذلك. واصطففن بعضاً منهن في طابور الولاء للنفس بشكل أناني صارخ وعدم الاكتراث بمفهوم وميثاق العائلة والأسرة والمجتمع. وأصبح كل همهن هو حصد أكبر عدد من المغانم أثناء إجراء عقد النكاح إن هن أقدمن على تلكم الخطوة. فنسمع عن اشتراطات جديدة مثل:

1. توفير سيارة فارهة للزوجة نوع كذا موديل نفس العام.

2. تسجيل عقار سواء أرض أو شقة أو بيت أو مزرعة.

3. إدراج مؤخر صداق يتجاوز خمسة أو ستة أصفر.

فأخذ البعض يتساءل: هل هذا العقد عقد رحمة ومودة أم عقد مكاسب وغنائم؟!

مستجدات سوق العمل:

استجدت أمور اجتماعية عديدة واكبها إحراز المرأة مستويات تعليمية متعددة وعالية بعد أن من الله على البعض بالثروات الطبيعية. وبعد أن تهيأت الظروف التشريعية والقانونية في معظم البلدان، اقتحمت النساء سوق العمل بكل تشعباته وقطاعاته ومهنه، وأصبحن موظفات ورائدات أعمال ذوات طموح عالٍ وسقف مرتفع. وانخرطت المرأة في الإنتاج الاقتصادي، وأصبحت مستقلة ماليًا وانطلقت في تخطيط مستقبلها لتحقيق ضمانات متعددة وأمان نفسي أكبر واستقلال في السكن والمال وإدارة شؤون الحياة وإبراز نفسها. في منطقة الشرق الأوسط، الزوجة في العرف الاجتماعي والأصول التربوية تراعي بيتها وتربي أبناءها وتساند زوجها. والزوج مُلزم عرفًا وشرعًا وأخلاقًا بإطعام وكسوة وإيواء أفراد أسرته لكونه المعيل الأول والأخير والمؤسس للأسرة. ومع زيادة نسبة فتح الفرص الوظيفية للنساء في سوق العمل في بعض الدول، أصبح خروج المرأة للعمل والتنافس على المراتب الوظيفية والارتقاء في السلم الوظيفي والانخراط في الانتدابات والمناوبات في تصاعد مستمر. ولكن لكل تلك المظاهر تبعات وتكاليف يجب أخذها بالحسبان بالنسبة للمرأة المتزوجة أو المخطوبة.

راتب المرأة:

في السابق، كان العضل هو الخيار الذي يتخذه بعض الآباء عديمي الرحمة ضد بناتهم الموظفات لضمان عدم انتقال الراتب إلى جيب الزوج المستقبلي للمرأة. في الوقت الحاضر، ومع تهشم صنم العضال، يتساءل البعض عن مصير راتب المرأة إن هي التحقت ببيت زوج لها أم لم تتزوج. وبغض النظر عن الجواب، فإن السؤال المترتب على ذلك: راتب الزوجة في أي جهة يُصرف؟

1. هل راتبها للمساعدة على تدبير شؤون بيت الزوجية أم أنه يصرف على إكسسوارات شخصية للزوجة أم تستثمره لصالح نفسها في العقار والأسهم؟!

2. إن لم تكن متزوجة، فهل تبادر المرأة وتشارك بفعالية في تغطية بعض مصاريف بيت والدها ومد يد العون لأخواتها وإخوتها، أم أنها تحرق مداخيلها على صوالين التجميل وإجراء العمليات التجميلية والسفر والمطاعم والمقاهي والسيارات الفارهة!

مصير الأولاد:

مع ولوج كثير من النساء سوق العمل، تضخم عدد الأطفال المسجلين في دور الحضانة ونشط استقدام الخادمات الأجنبيات وزادت مبيعات المطاعم وأهملت حاجات الزوج واضطرب الاستقرار العائلي داخل بعض البيوت وأصبحت الوظيفة خارج المنزل هي الأولوية المطلقة عند بعض النساء العاملات. تكبد عدد ليس بالبسيط من الرجال خسائر عديدة ونذكر اختصارًا الخسائر المادية:

1. تكاليف استقدام الخادمة وراتب شهري للخادمة.

2. تكاليف تسجيل الأطفال في دور الحضانة.

3. تكاليف دروس خصوصية للأبناء.

4. تكاليف استقدام ورواتب سائق إن تم استدعاء ذلك.

5. تكاليف مشتريات المطاعم اليومية أو شبه اليومية.

الخسائر المعنوية:

1. اضطراب الاستقرار للزوج.

2. الجفاف العاطفي بين أفراد الأسرة.

3. تضارب أوقات الإجازات بين الزوج والزوجة وإجازة مدارس الأبناء.

4. التشتت الأسري بسبب انتدابات الزوجة أو العمل في مدن بعيدة لمدد طويلة.

5. القلق المتكرر والمستمر نتيجة لتأخر الموظفة خارج المنزل أو زيادة تكاليف الاستهلاك المحموم داخل المنزل.

حتماً هكذا تكاليف تخلق أجواء مفسدة للمودة بين الزوج وزوجته، ويكون مصير الأولاد على صفيح ساخن وفي مهب الريح.

تكاليف الحياة الأسرية: مساهمة مشتركة أم مسؤولية من طرف واحد؟

طرحت عدة أسئلة داخل أروقة الديوانيات وعدة محاضرات في دور العبادة وجرت عدة مناقشات في مؤتمرات تربوية مختلفة تتمحور بآفاق إلزام الزوجة بالمشاركة والمساهمة الفاعلة في المشاركة بدفع بعض تكاليف الخدمات التي تتعلق بالخادمة والسائق ومدارس الروضة إن هي تمسكت بخيار الالتحاق بسوق العمل. هل نرى قرارًا ملزمًا بالمشاركة بالنفقة للمرأة العاملة؟!

من حق الزوج أن يدرج ضمن شروط الزواج ترتيب الأولويات:

1. الأسرة أولاً.

2. عند تعارض العمل مع مصالح الأسرة يجب تقديم مصالح الأسرة.

3. التفاهم على حجم الأسرة ومتى يجب الإنجاب.

4. المشاركة في المصاريف إذا انخرطت الزوجة في سوق العمل.

5. إبداء التنازل عن بعض الحقوق من قبل الطرفين لتستمر الحياة.

راتب الزوج:

1. هل الراتب كافٍ لتغطية تكاليف البيت الضرورية؟

2. هل هناك تدبير منزلي للمصاريف؟

3. هل نمط الاستهلاك للأسرة نمط تبذير أو نمط رشيد؟

4. هل الزوج مبذر أو بخيل أو سخي على أهل بيته؟

5. هل الزوج مدخن أو يشرب الكحول أو يتعاطى المخدرات؟

6. هل الزوج طائش أو نسيء أو سربوت أو ينفق على نفسه وينافق أهل السوء من أصحابه؟

7. هل الزوج يعمل في أكثر من نشاط ليزيد دخله سعياً لتلبية احتياجات أسرته المستمرة؟

اختيار الزوجة:

بما أن تأسيس بيت الزوجية يبدأ من الرجل، وجب على الرجل تمحيص خياراته وإدراج معاييره ومواصفاته بكل وضوح والتدقيق في كل بنود اشتراطاته ليكون صادقًا مع ذاته وأمام ربه ومع شريكة حياته. ولعل البعض، بعد إدراج اشتراطاته الجسمانية «طول - خصر - شعر … الخ» في شريكة حياته، قد يبني خياره بعد ذلك على المرحلة التعليمية للمرشحة أن تكون زوجته. فعلى سبيل المثال، التصنيف يكون بهذا الشكل:

1. المرشحة تكون طالبة بالمرحلة الثانوية.

2. المرشحة تكون طالبة جامعية.

3. المرشحة تكون جامعية متخرجة غير موظفة.

4. المرشحة تكون متخرجة جامعية وموظفة على رأس العمل وتعمل في مكان مخصص للنساء.

5. المرشحة تكون متخرجة جامعية وموظفة على رأس العمل تعمل في مكان مخصص أو مختلط.

وعلى الرجل المتقدم على الزواج أن يكون صريحًا وواضحًا من البداية مع نفسه ومحيطه لتلافي مشاكل مستجدة مثل:

1. يقبل أو يرفض ترشيح فتيات لا يلتزمن بالحجاب.

2. يقبل أو يرفض ترشيح فتيات مدمنات على زيارة الكوفي شوب.

3. يقبل أو يرفض ترشيح فتيات يعملن في أماكن مختلطة.

وفي المقابل، تكون الفتاة البكر التي يتقدم لها رجل للزواج واضحة وصريحة في قبولها أو رفضها:

1. الرجل الذي لا يلتزم بحقوق الأسرة.

2. الرجل الذي لا يقبل حق العمل لها.

3. الرجل الذي يدخن أو يتعاطى الخمور والمخدرات.

4. الرجل الذي لا يستطيع أن يوفر حياة كريمة لها ولأبنائها.

5. الرجل الذي عُرف أن عينه زائغة نحو النسوان.

6. الرجل الذي عُرف عنه أنه يمد يده على الآخرين ظلماً وجوراً.

آفاق إنتاج عقود نكاح أكثر نضجًا:

نسب الخلع والطلاق المعلنة رسميًا تُفطر قلب كل ذي بصيرة. الاكتفاء بالتفرج أمر مذموم عقلانيًا. والمناقشات الرصينة الهادفة أمر ضروري لوقف هذا النزيف المستمر من الطلاق والطلاق العاطفي الذي ينتج أولادًا وفتيات ضحايا لتشرذم الأسر. شخصيًا، أؤمن بحق العمل للمرأة وهو أمر رشيد إن تم دراسة كل نواحيه: الدوافع - الضرورات - المجالات - البدائل - التوافق - التفاهم. وعليه، على الزوجين الجديدين الاجتهاد في استكشاف كل منهما لطباع وسلوك وعقلية ومبادئ وقيم الآخر قبل إنجاب أطفال وامتداد الفترة. وقد يقرأ السؤال: هل أصبح تأمين حق الالتحاق بسوق العمل للمرأة خارج المنزل شرطًا يجب إدراجه ضمن عقد النكاح أو عبارة عن تفاهم بين الزوج والزوجة بناءً على سد حاجة اقتصادية طارئة أو مشاركة أسرية مرحب بها من كل الأطراف؟

قبل الإجابة على هذا السؤال، دعونا نسرد تساؤلات عامة:

1 - التفاهم أم التضحية أم الدافع الاقتصادي أساس خيار انخراط الزوجة في سوق العمل.

2 - كثرة الشروط من قبل الزوجة في عقد النكاح هل تعطي كامل الأمان والضمانات أم تؤجج النفوس ضد بعض؟

3 - هل نموذج عقد نكاح الأجداد والجدات البسيط أفضل أم أسوأ من النموذج الحالي؟ لماذا لا يتبنى المجتمع النموذج الأنجح؟

4 - هل الزوج في الوقت الراهن أضحى على قدرة تامة على تلبية كل الاحتياجات المادية المتصاعدة لزوجته وأبناءه أم أنه يحتاج زوجته أن تسانده؟ وما هي أفضل الطرق التي تساند الزوجة زوجها «الترشيد في الاستهلاك ام الوظيفة خارج المنزل»؟

5 - هل تحديد حجم أفراد الأسرة مطلب ملح أم محاكاة لمجتمعات أخرى؟

6 - هل حان الوقت لإعلان وجوب ترشيد الاستهلاك داخل المنزل في كل مرافقه أم مازال الوقت مبكرا؟

7 - إذا كان راتب الزوجة أعلى من راتب زوجها، فهل الزوجة على استعداد التضحية بوظيفتها للحفاظ على كيان أسرتها؟

8 - إذا كانت الزوجة طلبت الخلع من زوجها الذي أنفق عليها لكامل رسوم مراحل تعليمها الجامعي فهل للزوج الحق بالتعويض الكامل لتلكم النفقات؟

9 - إذا ضحى الزوج بوظيفته ليكون مرافق لزوجته في مدينة ابتعاثها أو انتدابها فهل له الحق بالتعريض ان هي خلعته بعد إتمام البعثة أو الانتداب!!

ختاما، المشهد للنسيج الاجتماعي في بعض البلدان المحافظة قد يزداد تذبذبا مع زيادة الشروط المادية المكلفة في عقود النكاح لأن تسليع الزواج ماديا حتما يحطم روح المودة بين الزوجين إن عاجلا أو آجلا. ولك أن تتخيل أخي القارئ المحترم المشهد إن تم فتح الباب على مصراعيه للسماح بالزواج من خارج البلاد. فحينذاك قد تكون المقارنة عند البعض على أساس دراسة مشاريع تجارية وليس زواجاً حيث حساب التكلفة والمردود ونسبة العائد على المبلغ المدفوع بدل التركيز على النسب والحسب والسمعة الطيبة والألفة والتجانس والنسيج الواحد والمودة والامتداد. حتما لك وجهة نظر في كامل الموضوع وقد تشارك نفس وجهة النظر تلك أو وجهة نظر أخرى! ولكن من المهم جدا هو تنبيه الشباب والفتيات على تهذيب وتشذيب خياراتهم والتعاون لتذليل الصعوبات والتنازل من الطرفين لإنجاح مؤسسة الزواج.