آخر تحديث: 25 / 7 / 2024م - 1:13 م

نفسي نفسي يومئذ!!

قال تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس الآية 371].

تقدم لنا الآية الكريمة مشهدا من مشاهد يوم القيامة والذي يهبنا الوعي والإدراك لحقيقة ذلك اليوم المهيب، بما يوقفنا على أرضية الاستعداد والتهيؤ للعدالة الإلهية والحساب على ما قدمناه في الدنيا من أعمال، فالمشاهد الدنيوية ومصادر القوة والاستئناس لن تكون كلها مشابهة ومتطابقة مع ما يعاينه المرء في يوم القيامة، ومن أوجه التباين بين الدارين هو افتقاد الإنسان للأعوان والأصحاب والأهل الذي يتشاركون معه همه وكربه وآلامه في الدنيا، فالمشهد في يوم القيامة يختلف تماما عن ذلك فإنه سيجد نفسه في تلك الأوقات العصيبة وحيدا قد تفرق الكل من حوله ولا نصير ولا معين له سوى عمله، فانظر إلى حالته النفسية والوجدانية وهو يرى تفرق الأحباب والأقرباء عنه ولا يأبهون لما يعانيه من أهوال يوم القيامة، وإن مد ناظريه إليهم فسيرى كل واحد منهم مشغول بحاله مرهقا متعبا من الحقائق المتكشفة أمامه، نعم كل واحد يبحث عن طريق الخلاص والنجاة لنفسه وقد انشغل عن الجميع، والأعناق مشرئبة إلى ساحة الرحمة الإلهية تتوق إلى نيل العفو والملجأ من تبعات الغفلة واتباع الشهوات في الدنيا، فالحقيقة الغائبة - بسبب شرة السهو والأهواء - أضحت ماثلة فموازين الأعمال نصبت وصحائف الأعمال المثبت والمسجل فيها كل صغيرة وكبيرة نشرت، وهناك من تخامر عقله فكرة الرجوع مرة أخرى إلى الحياة الدنيوية لعله يعدل من موازين أعماله فيزداد من الأعمال الصالحة ويهذب نفسه من غواية الشيطان الرجيم والأسر للشهوات المتفلتة، فيأتيه النداء المخيب لآماله: كلا إنها كلمة هو قائلها، فصحيفة أعماله طويت والحياة الدنيوية اضمحلت وأبيدت وهاهو بين يدي العدالة الإلهية ليجازى ويحاسب على ما قدمت يداه.

ويا له من مشهد رهيب حيث تتقطع الصلات القوية والحميمية والودية بين الأقرباء والأصدقاء، فيغدو كل واحد منهم له هم ودافع وحيد وهو البحث عن الخلاص والمنجى له من شدات وأهوال يوم القيامة، يستشعر كل العباد في ذلك اليوم العصيب الحاجة إلى العناية الإلهية والتحنان الرباني بتخليصهم من تلك العقبات، وكأن الناس قطيع هجمت عليه الوحوش المفترسة فليس له من شغل سوى الهرب قدر طاقته ليصل إلى دكة النجاة، وقد أخبرنا القرآن الكريم في موضع آخر عن حالة الذهول والدهشة والحالة النفسية والوجداني الصعبة التي تعتري الناس حينئذ، فتشبه حالهم بأنهم كالسكارى قد فقدوا اتزانهم العقلي والجسدي فغدوا يترنحون يمنة وشمالا لا تقوى أرجلهم على حمل أبدانهم، ففقدان مظلة الأمان الدنيوية في حالات الحروب والكوارث الطبيعية ومحاولة الناجين الخلاص من الموت، صورة مصغرة لذلك اليوم حيث تسود بين الناس حالة الفزع والهلع مما سيكون عليه مآلهم ومصيرهم، ومن عاش في الدنيا حالة الطغيان والأنانية والتكبر والركون إلى ما يمتلكه من مصادر الاقتدار والإمكانيات الهائلة، سيفقد تلك الهالة ويغدو كورقة شجر في مهب ريح عاصفة.

وهذا الإنذار الإلهي يدعونا إلى النجاة من أهوال يوم القيامة بالاستعداد لذلك اليوم بإتيان الأعمال الصالحة وتهذيب النفس من أدران المعاصي والخطايا، فما بعد الموت سيكون الحكم والفيصل فيه صحيفة الأعمال وما دون فيها من سعي وعمل، ولنحذر من تسويف التوبة والانغماس في الشهوات حيث لا علم لنا بوقت حلول الأجل والرحيل من الدنيا وقد احتطبنا على ظهورنا وزرا ثقيلا من الآثام، فكم من إنسان قد عاش لحظات اليقظة الآنية وعقد العزم على التخلي عن المعاصي والتقصير، ولكن قواه قد ضعفت وخارت بعد أن تلبس بالتسويف والآمال الطويلة حتى داهمته المنية بلا سابق إنذار!!

الحياة الدنيوية ممر ومرحلة عابرة سرعان ما تنتهي فيها الآجال؛ لنقدم على الحياة الأبدية والتي تتكشف وقائعها بناء على ما قدمناه في الدنيا من أعمال، وسنكون بين خيارين لا ثالث لهما: فإما في نعيم الجنان أو عذاب الحريق، ولن تكون هناك النجاة إلا بمحاسبة النفس واليقظة من مكر الشيطان الرجيم وأهواء النفس المخزية.

?