آخر تحديث: 21 / 7 / 2024م - 7:57 م

نزعة الانزياح اللّغوي وأثرها النابض في ذائقة الوجدان البشري.. «حدثٌ وحديثٌ - 68»

عبد الله أمان

يُعرّف لُغويًا، مُصطلحُ ”الانزِياح“ بشكلٍ عامٍ، بأنّه الابتعاد والانزواء الخارج عن مُحيطِ دائرةِ النّمط المَعروف، والمَألوف، والمَرئي؛ والمَحسوس بذائقةٍ مَجَسّ جُمعةِ الحَواس الإدراكِيةِ الحاضِرةِ؛ وبتآزرٍ نَشطٍ مِن زخمِ أطيافِ الصّورِ الذهنيةِ المُطلقة، برسمِ مَا وراء أبعادِها الثلاثيةِ الحَثِيثةِ القائمةِ في شَغلِ مُدرَكِ حَيّزٍ استثنائي مِن الفراغِ المحسوس، في وَطأةِ سَاعةٍ زَمنيّةٍ، وفَساحةِ بُقعةٍ مَكانيّةٍ مُحددّتَين مُوقّتتَين، لتَتمّ وتَكتَمِلَ سَحنةُ تلك المُعطياتِ الشاخِصةِ ”المُتبرّجةِ“ برمّتها، بمَزايا حُسنِها المُتباهيةِ، ورَزايا قُبحِها المزدريةِ مَعًا؛ ليُسطّر قُطافُ امتِداد نَسقِ أيقوناتها المَاثلةِ؛ ويُؤطّر تَزاحم جُلّ جُرئياتِها البنائيةِ الشاملةِ، بتواترٍ وتؤدةٍ؛ شاطحُ بُؤر لَفيفِ صُورِها التامّةِ التجهِيز، والفارِهةِ ”التحمِيض“ لِتقتربَ جَاهِزيّتها رُويدًا، مِن الزّج الآمِن، والحِفظ المُصَان في ظِلّ ثَنايا طَيّات تَلافيفِ الذاكرة… لِيتمّ لَاحقًا، استرجاعِها السلِس الحُرّ، باكتمالِ أشكالِها، واعتدالِ أنماطِها ”الخام“ وَقتَ الحاجةِ الماسّةِ إليها، لِتَمثُل شَاخِصةً مُستقرّةً، كَما كَانت مُتجسّدةً مُتموضِعةً، بتلقّي سُقوط بُؤري لوَمِيضِ ”فلاشات“ رَسمِ أبعادِها الثلاثيةِ الأصليةِ، أمامَ مَجاسّ الحواسِ الحاضرةِ، تمامًا كَما اِلتُقِطت بهَيأتِها البِكر، بلِحاظ عين الناظر، حَيّةً زَاهيةً، بصِبغَةِ ألوانِها، لِأوّلَ مَرّةٍ…!

هذا، وفي ظِلّ مَلكَةِ الانتهاج الإنشائي الحرّ المُبدِع، واتّساعِ عظمةِ الإبحار الوِجداني الخلّاق، في مَملكةِ ذائقةِ الشعرِ؛ والاحتفاء بهما مَعًا، في مُنتديات نثر أطياف أساليب الفنونِ الأدبيةِ، بأرقَى مُكاشفاتٍ ومُهاتفاتٍ، واستقراءاتٍ نَشطةٍ جَريئةٍ، لِتظفرَ رُيوعُها بانزياحٍ لُغويٍّ شَاطِحٍ، وتصويرٍ فارهٍ، بدواخِل وسَرائر البوحِ الناطقِ المُتأجّج، في ”بوتقات“ تلافيفِ كَوامنِ النفسِ البشريةِ؛ لتتَصدّى بوُضوحٍ؛ وتتأهّبَ بصُدوحٍ رِئتا الأدب: الشعر والنثر ”الثائرتين“ الشاطِحتين؛ لِسَبرِ واستِقراءِ مَكامنَ، وخَواطرَ، ومَصائدَ لآلئَ دَواخِل النفس البشرية، بمكاسبَ فُنونٍ سَامِيةٍ في خِضمّ فيضٍ سَاحرٍ غَامرٍ مِن إبداعاتِ اللّغة الأم، تتصدَرُها رِيادةً، وتقودُ تقدّم دِفافِها الطيّعةِ الحُرّةِ أنفاسٌ سَاخنةٌ، مِن أفياضِ ذائقةِ بوحِ المشاعِرِ، وغَلبةِ مَنابعَ الأحاسيس الجيّاشة؛ لتَرسمَ - بتعاظمٍ وفَخَارٍ ذاتيين - أسمَى لَوحاتٍ؛ وتُقدّم أنبل ”جِدارياتٍ“ إنسانيةٍ مُبدعةٍ، تقِفُ وتشرئبُّ لبراعتِها رَشاقةُ الأعناقِ طَويلْا… وقَد نُسِجت، ونُقِشت، ونُقِلت جُلّ مُعطياتِها الصافيةِ الضافيةِ، بخُيوطٍ عَسجديّةِ المَداد؛ لتبقَى بَصماتِ أيقوناتِها الشاهدةِ، مُعاناةً مُؤلمةً بجِراحاتٍ ونُدُوبَ غائرةٍ مُتجذّرةٍ في صَميمِ أعماقِ ”أدمةِ“ الوجدانِ البشري، مَا بقِيت نبضاتُ الدّم الساخنةِ تجري، بحرّيةٍ ذاتيةٍ، في مُتّسعِ مَجرى الشرايين المَرنةِ…! ومِثالها الناطق النابض، مَا جَادَت به وأهدَتهُ قريحةُ الشعرِ العَربي المُبدعةِ المُسخّرةِ بانزياحاتٍ وِجدانيةٍ ثائرةٍ طَموحٍ، تُسابق مُخرجاتُها الإبداعية؛ بألقِ أسطورة قصائد شِعر المُعلّقاتِ العريقةِ، ومَا تلَاها مٍن رَوائعِ نُبوغ ألق ذائقةِ الشعرِ العربي الأصِيل؛ لِتُتخِم أصداؤها المُتناغمةِ أجواف أسفاطٍ حُبلى مِن أنفاسِ واحتباسِاتِ أَنِين وحَنين أبواقِ ناياتِ البَوحِ الشعريِّ الشاعريِّ المُتألّقِ؛ ومِثلها إبداعاتٌ خالدةٌ مُوثّقةٌ، مِن مُخرجاتٍ إنسانيةِ المَنشأ، ووِجدانيةِ الهوَى، جَادَت ومَاجَت بها جواهر الحناجِرُ، والقرائحُ الشاعريّةُ الخلّاقةُ، فوف صِهاءِ مَنابرَ الفنون الأدبيةِ السالفةِ مِنها والمُعاصرةِ … مِن وَصفٍ مُنمّقٍ أخاذٍ، مَليءٍ بفُنونِ وعُيونِ عَطاءاتِ ومُكاشفاتِ قرائحِ البَوحِ الشعري الكامنةِ في دَواخِل أكِنّةِ أعماقِ النفسِ البشريةِ قاطِبةً… مِن توريةٍ، وتشبيهٍ، ودَلالة لفظيّةٍ، وتحليقٍ وجداني فصيحٍ شاطحٍ، واستنطاقِ الجمادات، واستكشافٍ سَافرٍ لسُدُم الآفاق، وأَنسنةِ المكان، ومُسامَرةِ الزمان…!

ولَا أكاد أنسَى قِمّةَ البلاغةِ، وأوجَ أدبِ التصويرِ الوجداني المُبدِع المُحتشِم، في صَميمِ سِياق نُصوصِ آي الذّكر الحكِيم؛ في مُختلفِ خَفايا أطوارِ النفسِ البشريةِ، وأسرارِ الروحِ المُأتَمِرةِ، بأمرِ بَارئها، السالكة في دَيدنِ مَسارِ عِلمِ خالِقها المُتعال؛ والمُستتِرةِ بكُنهِها وكَيفِيّتها، عَن مَدارك عُقولِ البشر؛ والمَحجُوبة تفسيرات كَينوتِها الربّانيةِ المُتفرّدةِ، عن ”فَراسة“ إبحارِ، وإخبارِ، وفلسفةِ مَلَكَاتِ العقلِ البشري، لهطلِ أطيافِ انزياحات و”شطوحات“ زخم كُنهِ جَوهرِ سَلاسلِ الأسرارِ ”ًالمِيتافيزيقية“ المُحيّرة المُستَتِرة، في مَكنونِ ومَستورِ عِلمِ عَالِم ”الغيب والشهادة“ الأزليين، الذي لَا يُمكن لِسابقةٍ، ولَاحقةٍ في محفظة عِلمِ العقل البشري - في طُول مَسيرتُهما الفكرية - إدراكه، ومُجاراته وتَصوّرَه، جُملةً وتفصِيلًا… «وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أمْرِ رِبِّي ومَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلمِ إِلَّا قَلِيلًا».* وهُناك بين دَفّتي سِياقات آي الذّكر الحكيم الكَثِير والمُثِير، مِن زخَم مَتنِ الانزياحات اللغوية الفاخرة، والمُحسّناتِ البديعيةِ البلاغِيةِ المُوسّعةِ، مُتدفّقةً بذائقةِ الوَصفِ الربّاني الدقيقِ، بصفاءِ ونقاءِ أسرار لُغةِ الضادِ الراقيةِ الضافيةِ، في بَديعِ سَردٍ، وناعِم تَفصِيلِ إنشائي مُتقنٍ، وأنيقِ حَبكةٍ مُتفرّدةٍ، تخشَعُ لرقّتِها البيانيةِ، وسَردَ أهوالِها الزمانيةِ، أفئدةُ جُموع الخاشِعين المُتدبّرِين، المْتفتّحّةِ عُقولهم؛ بمَلَكةِ التدبّرِ المُطلقةٍ في أياتِ اللهِ البيّناتِ؛ وإعمال نواةِ التفكّرِ في عَظمةِ مَلكُوتِ قُدرةِ الخالِقِ المُنعِمِ المُتفرّدِ في شؤون مَملكةِ مَخلوقاتِه العُظمى: «والسَّمَاءَ بنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وإِنَّا لَمُوسِعُونَ».* وللأنبياء والمُرسَلين نصيبٌ وَافرٌ مِن المَزايا والمِنح الإلهيةِ، مُصاغةً بقَصَص؛ ومُسطّرةً بانزياحاتِ سَردِيّاتٍ فائقةِ النّص الإنشائي؛ ورائدةِ التّمكِين البياني؛ وموجّهةٍ بأُسس شرف النجابة، بأساليبَ، وأطروحاتٍ وانزياحاتٍ ربَانيةِ الإِنشاءِ والعِبارةِ، تَليقُ بمَقاماتهم النّبويّةِ الشريفةِ؛ وتَسمُو بمِصداقِيةِ براهينَ نبوّاتهم المُرسلةِ؛ وتتمدّحُ بسَجايا أفضالِهم، في تدابيرَ مَساراتٍ رَبّانيةِ التسيِير؛ ونَورانيةِ التدبِير؛ وأُخَرَ حِواريّةٍ البيان، وإلهيةِ الانتِخاب والإصطِفاءِ، بفيضٍ كَراماتٍ انتقائيةِ العِنايةِ، واختياريةِ الرّعايةِ، مُسدّدةً ومُؤيّدةً، لشُخوص ثُلّةِ الأَنبياءِ والمُرسلين، عليهم وعلى خَاتمِهم، نيينا مُحمّد الأكرمِ الأمينِ، وآلهِ الطيّبين الطاهرين، وصَحبهِ 0الغُرّ المَيامِين، أفضل الصلاة، وأتمّ السليم…!

إضافة لِمَا تقدّم ذِكرُه القويم ابتداءً، مِن بديعِ البيانِ المُنزَل بحُسنِ بَلاغةِ وفصاحةِ ِدِيباجةِ الانزياحاتِ اللغوية الفائقة، ورَونقِ الصورِ الجماليةِ الرائدةِ، وبتّ مَنثُور النفحاتِ الوجدانيةِ البلاغيةِ المُربّيةِ، التي تَتحدّى أعتَى المَلَكاتِ البشريةِ الأدبيةِ؛ وتَتقزّم بمقامِ حَضرتها البلاغية سَائرُ مُدرَكاتِ الثِّقلَين؛ للإتيان بسُورةٍ وَاحِدةٍ مُماثِلةٍ مُضاهِيةٍ لآي الذكر الحكِيم؛ لعَجزِهم وإخفاقِهم عن مُحاولةِ ومُماثلةِ صِياغتِها؛ ونيلِهم جُهدَ بِنائها المُتقن؛ وانكسار شَوكتِهم المُتقزّمةِ، عَن مُحاكاتِها، بمعيّةِ مَتن قاموسِ لُغةِ ”مَجمَعِ“ الثّقلين المُوحّد… وهُناك آياتٌ، وشَواهدٌ شتّى، وأَسرارٌ مُتفرّقةٌ، تَنطِقُ بالصدقِ؛ وتُنبِئُ بالحقِّ، وتَصدحُ بأسرارِ وأهوالِ الآخرة؛ لتَصِفَ جَانبًا مَفصلِيًا مِن أَحَوالَ، ومَصائرَ، ومَنابرَ أصحابِ الجنةِ، مِن ثُلّةِ المُؤمنين المُتّقِين، وطائفةِ الصّلَحاءِ البَررَةِ، ومَا يُجزَونَ به مِن صِلاتٍ ربّانيةِ الرِّفدِ، ووّاسعةِ العَطاءِ، وشاسِعةِ المَورِد، في مُتعةِ مَقامِ الغُرَفِ العَليّةِ، في أعلى فِردوس جَنّات النعِيم؛ يقابلها تزامُنًا، مَصيرُ خِزي واندِحار نقِيضتِها: ثُلّة الكَفرةِ الفَجرةِ، ومَا تؤولُ إليه أجسادُها المُتهالِكةِ المُحترِقةِ؛ ومَا تنالها أفئدتهم جزاء غَلبةِ الشِقوةِ - وَعدًا إلهيًا - مِن إنزال أليمِ العذابِ المُهينِ بحقّهم، في الدّرَك الأسفلِ مِن النارِ، والعِياذُ بالله…! وهَا هُم ثلّةُ المُؤمنين المُبجّلِين يُهدَونَ ويُنعّمُونَ برُيوعِ رَحماتِ المثُوبةِ الربانيةِِ المُجزيةِ؛ ويُكَافؤون بأنواطِ الاستحقاقِ، في الدار الآخرة: «إِنَّ اللهَ يِِدْخِلُ الَّذَينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالَحِاتٍ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤلؤًا ولِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ».*

تلكَ الشّواهدِ البيّنةِ الوَصفِيةِ، والمَوائدِ الهَنِيّةِ السَّنِيّة، لعبادِ الرحمن المُخلَصِين، الذين يَمشُون على الأرض هَونًا؛ ونقيضِهم الندّ المُعاند، مِن ضَربِ أصحابِ العَواقبِ الخاسِرةِ المُسطّرةِ، والمَآلاتِ الحَتميّةِ المُنتظرةِ، والمَصائرَ المُعدّة لهُم، ولأمثالِهم - المَلاحِدةِ الزّنادِقةِ - في قَعرِ جَهنّم، مِن حَفدةِ زُمرِ صَناديدِ الكَفرةِ، ولفيفِ زُمر أجلَافِ المُشركين المُكذّبين بيومِ الدّين؛ والسائرين التائهين في مَسالكِهم المُتعجرفَةِ المُتهالِكةِ، مِن طَوائف المَغضوبِ عليهم، وفُلولِ الضّالّين المُنحرفِين عَنّ جادّة نَعيم سَواء السّبيل المُستقيم؛ والمُنغمِسِين الضائعين اتّباعًا، في غِوايةِ وبُهتانِ أشْراكِ وحَبائل الشيطان الغوَي الرّجِيم، عليه وعليهم، ومَن عَلى شاكِلتهم، ومَنِ اتّبعهُم، بالخِزي، واللّعنة، والطّرد، والإبعاد مِن رحمةَ اللهَ تعالى، في يوم الحَشرِ والنشرِ، في مُعتركِ شَدائدِ أهوالِ يومِ المَعادِ…! والله نسأل لَنا ولَكُم حُسنَ الخاتمةِ؛ وثوابَ شَآبيبَ المَغفرةِ والرّحمةِ، وبركاتِ عِتق رِقابِنا ورِقابِكم، ورقاب والدِينا، ووالدِيكم مِن حَرّ نار جَهنّم، وغَضبِ الجَبّار، في يومٍ لَا يَنفعُ فيه مَالٌ ولَا بَنونَ، إلّا مَنْ أتَى اللهَ بقلبٍ سّليمٍ… إنّه هو السّميعُ العَليمُ، بأحوالِ صَفوةِ عِبادِه الأَخيارِ، السابقين مِنهم إلى أسمَى مَناهل مَوائد المُخلَصين، وأكرم مَنازِل نُخبةِ الأبرَار… وبالله التوفيق، ومِنهُ نَستَمِدُ أيادِي العَونَ المُسدّدةِ؛ ونَسترفِدُ أرصدةَ المَنَعَةَ المْؤيّدةِ!

*سورة الإسراء- الحج - 85
*سورة الذاريات- 47
*سورة الحج- آية 23