آخر تحديث: 23 / 5 / 2024م - 3:40 م

إنقاذ ما يمكن إنقاذه بالشعر

محمد الحرز * صحيفة اليوم

حيال الشعر، لا نملك سوى التفاؤل والرغبة في قول ما لا يمكن أن نقوله بغيره، ما لا يمكن وضعه في خزانة، بعد أن نحكم إغلاقها ثم نطلب منه أن يتنفس، ما لا يمكن أن نذهب من دونه إلى المراعي والسهول أو إلى اخضرار العشب وهو يحدث المطر عن مستقبله حين يكون شجرا ناضجا.

الرغبة ذاتها لا تنفصل عن الإحساس بالشعر، عن الإحساس بهدير شلالاته في الروح، بتدفقه من أعلى قمة فيه، إلى القاع في أكثر أماكنها عتمة وظلمة.

لذلك لا غرابة حين يلتف حبل التفاؤل، ويشد نفسه كعقدة في أيدينا، كلما جرى الحديث عن الشعر وحياته في الحياة ذاتها، عنه وهو يتسلل خلسة إلى النفوس، إلى كل هاوية سكن فيها السأم وفرخ فيها عائلة كبيرة، عنه وهو يفتح الباب تلو الآخر، تلك التي تفضي إلى مدن كانت مغلقة في أرواحنا، وكانت تحتل مساحة شاسعة فيها. عنه وهو يعيد الألق إليها، ويرفع الغبار عن أبنيتها ومنازلها وشوارعها، ويعيد الضوء إلى نوافذها، والماء إلى حدائقها، والغناء إلى أشجارها، عنه وهو يوسع بيت مخيلتنا، يرفع السقف، ويصبغ الجدران بطلاء جديد، ويضع أثاثا جديدا في الغرف، ويرفع فوق الأسطح أعلاما، للضيوف القادمين من أخيلة أخرى.

أليس من الحكمة بعد كل هذا القول أن نربط التفاؤل به ونخيط به أيضا ثوب رغباتنا بإبرته كيما لا تهرب مقاساتنا كيما لا تظل الأثواب مجرد ذاكرة في رأس الأقمشة، كيما نمرر ألوانها وياقاتها وأزرتها كوصايا إلى الأحفاد، أليس من الحكمة أيضا أن نقول للناس: أنسيتم الشعر، ولم تنقذوه حتى كبرتم! أليس من الحكمة، ألا تتركوه وحيدا في غابة طفولتكم، ألا يلمحه الذئب ألا تسمعون صراخه، حشرجات حنجرته قبل الافتراس؟!

لابد من القول، لا بد من الكلام، لا بد من المخيلة سوى ذلك فالحياة لا تتنفس، الحياة تمتلئ رئتاها بالغبار، دائما تسعل، وليس ثمة دواء، كان لابد من الكلام، لأحدد ما لا يحدد إلا بالشعر ولغته لأتلمس موضع الشعر العالي ومكانته في حياتنا وفي نفوسنا، لأذّكر أن ما نكتبه شعرا، لا يمثل سوى رأس الهرم، بينما القاعدة هي الحياة التي تجري مجرى النسغ في عروقنا، والشعر الذي نكتبه تارة يخبو، وتارة يظهر.

لكن الحياة لا تتوقف، لا تلتفت، لا تتعثر، تصل إلى المصب مثقلة بماء الشعر، بماء الذاكرة والماء الأنقى، والذاكرة الأصفى، هما اللذان يحظيان بالنصيب الأكبر من العودة مجددا إلى شريان الحياة.

لأجل الذهاب إلى تلمس كل شيء يفضي إلى الشعر، لأجل الفرح والتفاؤل والرغبة، لأجل الناس أنفسهم وما لا يدركونه، أو يدركونه عن حياتهم المنسية في الشعر، لأجل الشعراء الذين قالوا ولم يكتبوا، أو الذين كتبوا ولم يقولوا، لأجل ذلك كله، هناك ما يشبه الأيدي التي تعصر فاكهة الروح، فتنزل الكلمات مذاقا حلوا في فم الشعر، ما يشبه تفتح العينين، بعد إغماضهما مدة من الزمن، بعد أن ظللنا نرمي شباكنا في بحر الشعر، فنرجع وشباكنا خاوية إلا من أسماكا ميتة أو حيوانات نافقة.

ما يشبه أولئك الشعراء المنقذين الشعر من وحشته وضياعه، ومرجعين الثقة إلى نفسه، وفي صورته عن مكانته في النفوس والحياة أيضا.

لذلك لن نترك اللحظة تمر دون أن نمررها تحت أشعة النظرات وتحت آلة كلامه وكشوفاته، لأننا نعي قيمة تلك اللحظة حين يكون الالتفات للشعر هو التفات الوجدان للضمير قبل سقوطه في الوحل، أي إنقاذ ما يمكن انقاذه بالشعر.