آخر تحديث: 23 / 5 / 2024م - 6:52 م

مذكرات أمل «16»

رضي منصور العسيف *

قضينا يوما ممتعا في مملكة البحرين تجولنا في سوق المنامة وسيتي سنتر ومحلات الحلوى بالمحرق... ذهبنا للسينما في مجمع السيف ولكن للأسف فاتنا عرض الفيلم...

قالت أمي بقي علينا أن نشتري ماء لقاح.. لنذهب قبل أن يغلق المحل..

وصلنا المحل كانت به سيدتان وشاب.

قالت إحدى السيدات: ”أعطينا فلاف اغراش زموته وفلاف مرقدوش“

قال الشاب: ”يلا يا أمي ترى الجسر بصير زحمة وبنتأخر“.

قالت السيدة الثانية: "وأعطينا كرتون ماء ورد أصلي،

قال الشاب: تأخرنا يا خالتي..

كنت أسمع هذا الحوار وهذه اللهجة، تذكرت صديقتاي رقية وزينب..

قلت لهم: هل أنتم من القطيف؟

قالت إحدى السيدات نعم احنا من القطيف.. شكلنا عطلناكم اسمحي لي يا حبيبتي.

قالت أمي: يا هلا بأهل القطيف.

قالت السيدة يا هلا فيكم.

كنت أرغب بسؤالهم عن الحي الذي يسكنونه ولكن الشاب كان على عجلة من أمره، ولكني سعدت بهذا الحوار وهذه الرائحة الطيبة..

وصلنا الجمارك السعودية وكما توقع الشاب القطيفي كانت الزحمة شديدة.. ولكن الحمد لله تم فتح مسار جديد وكان من حسن حظنا أننا دخلنا بسرعة في هذا المسار...

انتهينا من الجمارك وعدنا إلى الدمام..

قلت لأمي: غدا موعد تغيير القسطرة.. لقد مللت من هذا الوضع...

قالت أمي كان لله في عونك..

قلت سوف أسأل الدكتور إن كان هناك علاج في الخارج.. لم أعد أحتمل هذا الوضع..

قال أمي تتسهل يا ابنتي... لا بد أن يتغير الحال إلى الأفضل...

قلت يا رب...

في اليوم الثاني ذهبت للمستشفى وأنا أفكر فيمن سيقوم بتغيير القسطرة أهو الدكتور حامد أو الدكتورة مها أو الدكتورة ريم أو الدكتور أبو الحسن. لقد تعاملت معهم جميعهم.. منذ أكثر من 10 سنوات وأنا كل أسبوعين أحضر لهذا المكان قسم تفتيت الحصى بقبو المستشفى...

كنت أنتظر، وما أصعب الانتظار...

أنظر للساعة، وما أطولها من دقائق.. لقد تأخرت.. لماذا كل هذا التأخير؟!

صرت أتصفح رسائل الواتساب...

في هذه اللحظة..

سمعت أحدهم يهمس في أذني..

هل نلعب لعبة السيارة السريعة يا أمل...

رفعت رأسي.. نظرت لصاحبة الصوت.. أيعقل.. أيعقل هذا؟!

سميرة

أنت سميرة

ماذا تعملين هنا...

حضنتني وسالت دموعنا فرحا

أين كنت طيلة هذه السنوات، منذ أن تخرجنا من الابتدائية لم أراك... أيعقل هذا؟

ماذا تلبسين؟ أأنت ممرضة؟!

ضحكت سميرة وقالت: أيتها الأمل لقد اشتقت إليك ولهذا لا بد أن ألعب معك لعبة السيارة السريعة.. هيا..

قولي هل أنت موظفة هنا..

قالت سميرة: منذ سنوات لم أراك.. بعد التخرج من الابتدائية انتقلنا لمنطقة جديدة ولهذا درست المتوسطة والثانوية في تلك المنطقة، وبعد الثانوية درست في كلية التمريض بالرياض، وتوظفت في مستشفى الملك خالد الجامعي، ولكن الحمد لله بعد سنوات نقلت إلى هنا.. أنا موظفة في قسم التنويم، أمراض النساء...

قلت: ياه مشوار مشوق.. هكذا أنت يا سميرة تحبين المغامرات...

ضحكنا وضحكنا..

كانت لحظة عجيبة سعيدة اختلطت فيها مشاعر الحب والشوق والفرح والذكريات..

قلت لها: منذ سنوات وأنا أتابع هنا، واليوم حضرت لتغيير القسطرة... عندما انتهى من تغيير القسطرة سوف أتصل عليك.. كم رقم جوالك...

سجلت رقم جوال سميرة ودخلت قسم المسالك البولية...

دخلت القسم.. استقبلتني دكتورة... هذه المرة الأولى التي أراها... قلت لها: هل أنت طبيبة مسالك بولية...

ابتسمت وقالت: نعم... كيف أستطيع خدمتك...

قلت: جئت لتغيير القسطرة،

قالت الدكتورة: انتظري دقائق وسوف أقوم بتغييرها لك... لا تقلقي...

سألتها ما اسمك؟

أجابتني مبتسمة: اسمي جمانة...

قلت: دكتورة جمانة... اسمك جميل ولا شك أنه يحمل معاني جميلة...

قالت الدكتورة: ربما يكون ذلك... سوف أجهز المعدات الطبية...

في هذه اللحظة بحثت في محرك البحث قوقل عن معنى اسم جمانة فكان كما توقعت، اسم جمانة معناه حبات من الفضّة على شكل اللؤلؤ، اسم جمانة في علم النفس من الأسماء التي لها دلالات كثيرة؛ إذ تدلّ على الرقة والحنان وطيبة القلب الكبيرة، كما يدلّ على الثقة العالية بالنفس والجرأة في قول الحق، وعلى الاحترام والأدب الكبير، خاصةً أنّ حاملة اسم جمانة تُوحي لمن حولها بالكثير من الطاقة الإيجابية التي تمنحها للآخرين؛ بسبب سعة صدرها وصبرها وتحملها للكثير من المشاق بوجهٍ مبتسم وقلبٍ متفائل مقبل على الحياة.

تفاءلت عندما قرأت هذا الوصف...

قلت لها: عرفت أن اسمك يحمل معاني إيجابية هل تودين معرفته؟!

ابتسمت وقالت: هيا أخبريني ومنك نستفيد...

صرت أقرأ لها ما عرفته عن اسم جمانة...

ضحكت وقالت: أتمنى أن أكون مثل هذا الوصف...

والآن أخبريني منذ متى أنت على القسطرة؟

تنهدتُ وقلت لها من عام 2005 م وحتى يومنا هذا..

شهقت الدكتورة وقالت: منذ أكثر من 11 سنوات أيعقل هذا... كيف كنت تتحملين هذا العناء؟ ألم تفكري في العلاج في الخارج أو إجراء عملية...

قلت لها: لا لم أفكر ولا أعلم لماذا لم أفكر!

قالت الدكتورة: دعينا الآن نغير القسطرة ثم نكمل الحديث...

بدأت الدكتورة بتغيير القسطرة... ومنذ اللمسة الأولى شعرت بألفة نحوها..

قلت لها: أتمنى أن تكوني طبيبتي الدائمة... أتمنى أن تقومي بتغيير القسطرة في كل مرة أحضر إلى هنا...

ضحكت وقالت: إن كنت مناوبة فلا بأس... وأهلا بك...

ثم قالت الدكتورة: لماذا لا تسألين الدكتور باهر عن آخر المستجدات العلاجية لمثل حالتك؟

قلت: لا أفهم ماذا تقصدين؟!

قالت: الأسبوع القادم سيكون الدكتور باهر في العيادة، يمكنك الحضور وسؤاله عن الجديد...

قلت: هل تتوقعين أن هناك جديد؟!

ابتسمت وقالت: ربما...

قبل أن أغادر العيادة قلت لها: ألم أقل لك أن اسمك هو طاقة إيجابية...

منذ ذلك اليوم بدأت علاقتي تتوطد بالدكتورة جمانة، فكانت نعم الطبيبة...

........................

خرجت من العيادة وقد أعطتني الدكتورة جرعة من الأمل...

استقبلتني سميرة وقالت: ما رأيك أن نتناول وجبة الغذاء في أحد المطاعم على حسابي؟

قلت: لا بأس... وهل يمكنني أن أرفض هذا العرض...

هيا لنذهب...

عند تناول وجبة الغذاء قالت سميرة: الشهر القادم سيكون حفل زفافي...

توقفت عن الأكل ونظرت ليد سميرة اليمنى وقلت: ما هذا كيف لم ألاحظ هذا؟! ألف مبروك يا حبيبتي...

قالت سميرة: طبعاً ستكوني معي في الحفل، الحمد لله أنني التقيت بك...

قلت: لن أدع هذه الفرصة تفوتني... لم أسمع مثل هذا الخبر منذ سنوات...

كنت سعيدة في ذلك اليوم... تعرفت على الدكتورة جمانة والتقيت بصديقة الطفولة سميرة...

عدت للبيت ولكني أفكر في الجديد في الطب لمشكلتي... هل هناك حل وأنا أجهله، لماذا توقفت عن البحث عن العلاج... هل يئست أم ماذا؟؟

سألت أمي عن ذلك فقالت: كل شيء في وقت... هذه مشيئة الله...

في الأسبوع الثاني

ذهبت لعيادة الدكتور باهر...

استقبلني بكل بابتسامته وسألني: هل هناك أمر ما؟

قلت: دكتور إلى متى سأظل على القسطرة؟ ألم يحن الوقت لفتح ملف جديد...

قال: لقد حدثتني عنك دكتورة جمانة... وهذا هو الوقت المناسب... نعم لقد وصلنا لمرحلة نقول وداعاً للقسطرة وعليك أن تهيئي نفسك لإجراء عملية جراحية لتوسعة المثانة، انضم لنا دكتور أسامة وهو دكتور ماهر في هذا الجانب... سنناقش الموضوع معهم، وسنقرر ماذا يمكننا أن نعمل... يمكنك التشاور مع عائلتك قبل الإقدام على هذه العملية...

بدأ الدكتور باهر يشرح لي موجز العملية... وأنني سأكون أول مريضة في الشرقية تعمل هذا النوع من العمليات...

خرجت من العيادة ورأسي ممتلئ بالأفكار... قسطرة... عملية... نجاح أو فشل...

في هذه الأثناء لمحت سيدة على كرسي متحرك... دققت النظر... أيعقل أن تكون هي؟!

أيعقل أن تكون هذه نورة... نورة لماذا تجلس على الكرسي... ماذا حدث؟!

في هذه الأثناء دخلت نورة لعيادة جراحة المخ والأعصاب...

بقيت أنتظر خروجها... كنت أفكر في سبب جلوسها على الكرسي!!

تذكرت الحادث.. هل يعقل حادث السيارة سبب لها إعاقة... أيعقل...

بعد نصف ساعة خرجت نورة...

ناديتها... نورة... نورة...

التفتت للخلف... وبعين مغرورقة بالدموع نظرت إليّ ولكنها أكملت طريقها....

دخلت على عيادة جراحة المخ والأعصاب... استقبلني الدكتور إبراهيم: سألني أهلا بك أمل ما بك لماذا تبكين... قلت له بصوت مبحوح: هل تستطيع نورة المشي؟

سألني: هل تعرفيها؟!

قلت نعم كانت زميلتي...

صمت الدكتور...

سألته مرة أخرى...

هل تستطيع نورة المشي؟!

قال الدكتور: للأسف... لا...

همسة أمل:

لمن نفذ الأمل من قلوبهم، استبشروا بالبدايات الجديدة لعلكم تجدون بين ثناياها بهجة تلون أيامكم.

كاتب وأخصائي تغذية- القطيف