آخر تحديث: 21 / 7 / 2024م - 6:06 م

المستمسك الرمضاني «11»

وماذا بعد؟!:

دورة تدريبية تمرس فيها الصائم على التوقف عن المفطرات لتنغرس في نفسه المانعية والحصانة أمام المحرمات والمغريات، فينطلق بعد مضمار السباق الرمضاني إلى بقية الشهور متسلحا بالقوة الروحية والصبر والحذر من الانزلاق إلى مهاوي الخطايا والعيوب، فإن العطر الفواح لنفحات الشهر الفضيل قد استنشقتها نفسه فاكتسبت الهدوء والنزاهة من الشهوات والاندفاع في مضمار الطاعات والأعمال الصالحة، وبعد انقضاء هذه الدورة التدريبية يكون المرء في مرحلة اختبار ميداني في كيفية مواجهة تسويلات النفس وإغراء الشيطان الرجيم بالسقوط في المخالفات الشرعية، ويبقى الأمر رهنا بامتلاكه إرادة قوية تواجه التحديات والصعاب فيتجاوز مراحل الخطر أم أن بناءه الروحي يتهاوى نتيجة ضربات التزيين والمغريات فيتلاشى شيئا فشيئا؟!

وهذا ما يبين لنا التفاوت بين الصائمين في مرحلة ما بعد شهر رمضان في التزام الاستقامة والثبات والصمود في وجه المغريات، وآخر يستفيق من سبات الغفلة بنحو آني فيتفاعل في برنامجه الرمضاني مع تلاوة القرآن المريم وقراءة الأدعية، ولكن ما إن يخرج من مضمار الشهر الفضيل حتى يتكاسل ويتعاجز ويرجع إلى المربع الأول خالي الوفاض، فالتزام خط التقوى والأخلاق الفاضلة يحتاج في استمراريته إلى محاسبة النفس والنظر في عواقب الأفعال، كما أن الهمة العالية لا تأتي من فراغ بل هي نتاج عمل وبذل جهود ومثابرة، متآزرا كل ذلك مع التفكير في تكوين الرصيد الأخروي والاستزادة من الأعمال الصالحة بمختلف ألوانها، فالأوقات المضيعة هي بذرة الشيطان الرجيم لتكبيدنا الخسائر الفادحة نتيجة الإهمال والتخلي عن مسئولية معادنا والاستعداد للقاء الله تعالى والحذر من عقوباته.

وهناك من مرق من الشهر الفضيل دون أن يستفيد من هذه الفرصة الثمينة في تحسين وضع وكفة ميزان أعماله، فعاش في هذا الشهر حياة مادية محضة ملؤها اللهو واللعب دون أن يحسن من أخلاقه أو علاقته بالله تعالى أو التفكير بالإقلاع عن العيوب والمعاصي التي كان يرتكبها وما زال يفعل ذلك، ومع عظم الخسارة فهذا لا يعني نهاية الطريق أو أن باب التوبة والرجوع إلى الله تعالى قد أقفل، فالفرص متاحة للتغيير الإيجابي والخروج من غطاء الغرور والتولع بزين الدنيا، فليبدأ في الخلو بنفسه والحديث الصريح معها بنحو الجد في المسئولية، فهناك من يحسب عليه الأنفاس ويترصده في خلواته وسكناته، وكفى ما ضاع منه من فرص لتحقيق اتزانه الروحي والنفسي والأخلاقي، وليكن حلول مناسبة عيد الفطر السعيد محطة متجددة للتغيير من نفسه نحو الأفضل لعله يظفر بمطلوبه، فالوصول إلى الهدف والغاية متأخرا خير من الاستمرار في تغييب العقل عن المعاد.?