آخر تحديث: 26 / 5 / 2024م - 9:28 ص

احتواء المراهقين والمراهقات

المهندس أمير الصالح *

عندما تطرح السؤال للاستفتاء العام في أرجاء المعمورة بالصيغة التالية:

إلى أي من الوالدين يميل قلبك وعقلك أكثر؟

الجواب الأغلب والمرجح أن يكون: نحو الأم عاطفة والأب عقلاً. وهذا ما كان في الأمس القريب. اليوم عندما تطرح ذات الاستفتاء على المراهقين والأطفال، بالصورة التالية: لمن يميل قلبك وعقلك أكثر من العناوين التالية: الأب أم الأم أم الأجهزة الذكية أم ألعاب العالم الافتراضي أم الأصدقاء؟

معظم أجوبة جيل z المعاصر على السؤال ستكون فعلياً وواقعياً لصالح الأجهزة الذكية في الأغلب، وإن قال البعض مجاملة كلام آخر. والدليل أن القلب يتعلق بمعشوقه أكبر عدد من الساعات وبشكل يومي. فكمية الوقت الذي يصرفه المراهقون والأدنى عمراً على أجهزة الحاسوب وتعلقهم بتطبيقاته المتعددة بها ينم عن إعطاء الأولوية المطلقة لتلكم الأجهزة والتطبيقات الذكية العاملة المدرجة ويليه أصدقاء العالم الافتراضي. البعض ينظرون إلى أمهاتهم وآبائهم مجرد مزود خدمات وصراف مال متحرك «ATM» وينظرون إلى بيت أهلهم على أنه مجرد فندق مجاني.

السؤال: هل هذا السلوك من الأطفال والمراهقين ينم عن فشل تربوي عند الوالدين وتفتت روابط الأسرة أو إعصار تكنولوجي مزلزل ضرب كل الأسر حول العالم، والعالم مازال لم يفق من تلك الصدمة؟

حتماً الآباء والأمهات المخلصون يحاولون بشتى الطرق للتغلب على أي ظاهرة سلبية أو تمرد تربوي أو تنمر سلوك أو ورود أفكار سيئة أو اكتئاب لدى أبنائهم لأي سبب. ونعلم علم اليقين أن حبائل العالم الافتراضي وأصدقاء السوء وطرق شياطين الإنس والجن لا تتعدى حدود الإغواء والإغراء وإغراق الفضول والانجرار نحو التفاهة والابتزاز والتهديد. والوالدان الصادقان في تربيتهما لأبنائهم يبذلون قصارى جهودهم لغرس مفاهيم العزة واحترام الذات والترفع عن السقوط في الشهوات الحرام والانطلاق في عالم المجد والابتعاد عن فخاخ الشيطان والتعلق برضى الله واستحضار تقوى الله في النفس والأخلاق الحميدة والسمعة الشريفة. وكما ورد في القرآن الكريم: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت: آية 69].

سقطات أو هفوات:

الشياطين يبذلون جهوداً متراكمة لتغليف وتزيين وترويج المعاصي للمراهقين عبر عدة قنوات وأساليب ومنها الوهم والتغرير والنجومية والكلام الفضفاض والمطاط والوعود المعسولة والوسواس وطول الأمل والشهوات. وإن وقع مراهق أو مراهقة في شيء من السقطات كنزع الحجاب أو مخالطة النساء للرجال والرجال للنساء تحت ذريعة الفن وسماع الأغاني أو إهمال الذهاب للمسجد أو الإعراض عن قراءة القرآن في بعض ليالي رمضان أو فوات أداء صلاة الفجر في وقتها، فلا ينبغي للأب أو الأم التشنيع بأبنائهم والتصادم معهم ليل نهار وخلق أجواء طاردة في البيت. ولكن يجب على الوالدين استيعاب الأبناء والتقرب منهم وكسر جبل الجليد معهم ومعرفة سبب وقوع السقطة منهم. فقد يكون السبب لتلك الهفوة عمداً أو سهواً. أو جهلاً أو تغريراً أو تضليلاً. وقد يكون كل ذلك بقصد شد الانتباه نحوه/ نحوها أو المناكفة أو إبراز شخصيتهم داخل المنزل أو إعلان تمردهم وتضجرهم على أوامر أبيهم المستبدة أو … أو …إلخ.

عند وجود سقطات وهفوات متكررة من الأبناء المراهقين / المراهقات، هنا لا بد من عمل حوار شامل بين كل الأطراف ومراجعة داخلية شاملة لأساليب الأبوين التربوية وإدخال تعديلات جذرية عليها والتنازل بعض الشيء عن كبرياء الأبوة وزيادة جرعة الحوار بتواتر أسرع مع الأبناء لتوضيح الأمور والمساعدة لمعالجة الهفوات ومنع سقوطهم أو انتشالهم من وحل الرذيلة. لأن استيعاب الأبناء مع هفواتهم البسيطة في بدايتها سيفوت الفرصة على الشياطين من انتقال الأبناء من معسكر الأخيار إلى معسكر الأشرار. وكما قال مفكر عربي راحل: ”عدم احتضان صاحب الهفوة من الأبناء / الأصدقاء وتصويبه للعمل الحسن بأسرع ما يمكن، سيعجل في تجنيد صاحب الهفوة والتحاقه بالشيطان“. في السابق سمعنا عن إعلان البراءة من قبل بعض الآباء عن بعض أبنائهم بسبب إسفاف تصرفات بعض الأبناء / البنات وبعد ما استنفذ الآباء لكل وسائل التفاهم والحوار والردع والزجر والمعاتبة والضغط العاطفي والمالي الممكنة. ومع ولوج ثورة الاتصالات أضحت معظم بقع العالم تمر بتغيرات اجتماعية متعددة ومتقلبة ومن الذكاء التربوي استيعابها وهضمها والتغلب على مصاعبها والحفاظ على أطراف الأسرة لا سيما المراهقين والمراهقات.