آخر تحديث: 14 / 7 / 2024م - 1:08 م

المستمسك القرآني «9»

هدأة نفس ونفحة ربانية:

قد يظن البعض بأن ليلة القدر المباركة تمثل صك غفران عما فعله المرء طوال سنته وسنينه، فيجتهد في تلك الليلة بقراءة الأدعية والمناجاة ليطمئن قلبه بأن مجرد تلك الأعمال قد غسلت وسخ نفسه ومعاصيه، وعليه أن يستعد لموسم جديد من ارتكاب الخطايا ومخالفة أوامر الجليل بانتظار ليلة قدر قادمة يقوم فيها كما كان يفعل سابقا!!

والحقيقة أن أعمارنا نخوض في ميادين العمل مارثونا تتلاحق فيه الأنفاس ونواجه فيه الصعوبات والعراقيل، وقد تعثر في بعض محطاته ومراحله بسبب الاستجابة لصوت النفس الأمارة بالسوء والداعية إلى اقتحام منطقة المحرمات والرذائل والاتصاف بالأخلاق السيئة، فشرة النفس تتضخم وتقوى كالخلايا السرطانية والتي تردفنا بالغفلة والجهالة وتحيلنا إلى مخلوق انسلخ من إنسانيته النبيلة وتردى إلى عالم البهيمية، فلا باعث ولا محرك له سوى مجموعة شهوات تنساق لها غرائزه بعد أن كبح جماح عقله وغيبه عن التحكم بخطواته وتصرفاته، ويحتاج المرء إلى محطة تهدأ فيها نفسه ويبدأ في محاسبتها والوقوف على ممارساته الخاطئة وأوجه العيوب التي لحقته نتيجة الغفلة والتلوث بالرذائل، وليست هناك من فرصة سانحة ومثمرة كليلة القدر العظيمة التي تنصب فيها الرحمة والمغفرة الإلهية على المستغفرين والراجعين عن غيهم وثمالة عقولهم المغيبة، فيعيد حساباته ويراجع خطواته ليبدأ مشروع ترميم نفسه وإعادة صياغتها من جديد وفق معيار الخوف من الله تعالى والورع عن محارمه، فالتغيير الإيجابي يحتاج إلى إرادة قوية تغالب الأهواء ويتخلى فيها ببصيرة تنظر في عواقب الأمور ومآلاتها يوم يقف بين يدي الله عز وجل في ساحة العدالة الإلهية لينال جزاء أفعاله.

المراجعة الذاتية الشاملة تنعشه روحيا وتقويه في ميدان العمل وتزيده مناعة وحصانة أمام المغريات وزينة الحياة الدنيوية، وتشمل النظر في علاقته بالله تعالى وعوامل تسرب التعاجز إلى نفسه والتململ من حضور القلب الواعي في العبادات والأدعية، كما يشمل النظر إلى منظومته الأخلاقية وما يتصف به من رذائل كالتكبر والأنانية والغيبة وغيرها فيعالجها ويتجنب الوقوع في حبائلها مستقبلا، كما أن دائرة علاقاته الأسرية وتعامله مع شريك حياته وأبنائه تحتاج - فعلا - إلى نظر المتأمل ليصحح بعض الأخطاء التي يتعامل بها كالحدة في النقاش والعناد والتقصير في حق أسرته، كما أن علاقاته الاجتماعية ينظر فيها ليتخلص من التعاملات السيئة وغير المقبولة، ففي تلك الليلة العظيمة - ليلة القدر - يعلن عن ولادة شخصية تنزهت من الخطايا والتقصير.

ومحراب الدعاء والمناجاة في تلك الليلة المباركة تحرك فعلي ووجداني نحو نسج علاقة القرب من الله تعالى، وباعث نحو اكتشاف نفسه وما تحويه من ضعف شامل فيتقوى بالاتصال بالقوة المهيمنة على مقاليد أمور الكون، فتنبعث النفس نحو البكاء على حالها وتتقوى إرادته لتكون رهنا وتبعا للإرادة الإلهية.