آخر تحديث: 25 / 7 / 2024م - 1:13 م

اختناق الذات

الإنسان السوي لا ينفصل عن محيطه بالتفاعل مع من حوله في جميع أحوالهم، وهذا الدور المتناسب مع عطاء ومكانة من كرمه الله تعالى في عقله وطهارة نفسه ومشاعره، ومتى ما تدخلت عوامل ذاتية نتيجة للتفكير الواهم وتضخم الذات والإعجاب القاتل بالنفس، تحرك حينئذ المرء وفق منافعه ومصالحه دون أن يبدي أدنى تفاعل وجداني مع الظروف الصعبة التي يمر بها من حوله في المجتمع، وأما أولئك المتبلدون وجدانيا والمتقوقعون حول ذواتهم فلا يوجد أدنى اتصال وتواصل مجتمعي فضلا عن التأثير والفاعلية المحققة لوجودهم ومكانتهم، فلا يأبهون بأحوال الآخرين أو السؤال عنهم فضلا عن مد يد العون والمساندة المادية والمعنوية.

حب الذات الإيجابي في جانبه الأخلاقي والاجتماعي يسعى الفرد من خلاله إلى تكوين صورة اجتماعية جميلة تمثل انعكاسا وانبعاثا لما يحمله من قيم وصفات حميدة، فحالة الاحترام والتقدير لوجوده هو مكانة مستمدة من الاستظلال بالمشاعر الصادقة والتفاعل الوجداني، وهكذا يكون الأثر الطيب والسيرة المشرفة نتاجا لمسيرة من التعامل الجميل والخلق الحسن مع الآخرين، وعدم الدخول معهم في مماحكات وخلافات تهدم سور العلاقة المستقرة والناجحة.

التقوقع حول الذات هو نتاج تربية خاطئة تلقاها الطفل من والديه تقوم على اقتصار اهتمامه بمصالحه وشئونه، دون النظر إلى ما يحتاجه من حوله لتقديم يد المساعدة إليه، وقد يكون ذلك التقوقع ناتجا عن التكالب على الغرائز وإشباعها دون توقف، كما هي غريزة حب المال - مثلا - التي تنطلق من توفير احتياجاته، ولكنها تصل إلى حد الطمع والطغيان فيتملك الفرد شح النفس وتبلد الأحاسيس تجاه حاجات الآخرين، فيصل إلى حد الرؤية المعوجة التي تفصله عما حوله ولا يرى إلا نفسه واحتياجاته فقط «الأنانية»، وهكذا يكون المتشرنق حول ذاته صنيع التربية الخاطئة أو العوامل الذاتية التي اكتست بها شخصيته، ولم يجد صوتا يعدل من سلوكه الخاطئ أو أنه أغلق مسامع قلبه عن الاستماع للنقد والنصيحة.

التربية السليمة تعزز الجانب الاجتماعي في الشخصية السوية، وتعزز حضوره من خلال التواصل والعمل المشترك في محيطه الأسري والمدرسي والمجتمعي، فانبعاثات المساندة تنطلق في مختلف الميادين التي تجد لها طلبا، فالعقل الجمعي وتقديم المشورة وتوجيه الفكرة تعد نوعا من المساعدة، والاستماع إلى تنفيس المهموم والإنصات بتمعن لما يعاني منه، ومن ثم تقديم الكلمة الطيبة ورسم مخارج لمشكلته يعد من ألوان المساندة، وقد يكون تعزيز الثقة بالنفس وبالقدرات عند الآخرين ووضع لبنات التشجيع وبث الأمل من ألوان مساندة طموحات وتطلعات الغير.

وهكذا اتضحت لدينا صورة المتدين الحقيقي والذي اختزل البعض صورته بالعبادة بالمعنى الخاص، والذي يشير إلى الالتزام بأداء الواجبات بشرائطها دون النظر إلى الجوانب الأخرى في شخصيته، بل التدين قوة إيمانية وروحية يستمدها المرء من محراب الطاعة لتنعكس على حديثه ونقاشه وسلوكه وتعامله الأسري والاجتماعي، والذي يقوم على احترام النفس قبل احترام الآخرين مهما اتسعت بؤرة الاختلاف على المستوى الفكري والسلوكي، وشتان ما بين سلوك المتلون اجتماعيا والذي يرسل ابتسامته الباهتة وكلمات التملق وبين صاحب المصداقية في القول والفعل، فالمتدين حقيقة يرسل علامات الصدق والمودة والتسامح من خلال التحية والمحاورات الهادئة وتجنب بؤر المشاحنات والفتن والضغينة، وبذلك تبرز المكانة الاجتماعية للفرد في بث التسامح والصفح وامتصاص بؤر التوتر والخصومات، من خلال تقريب الأفكار والنفوس وجمعها بتفكيك الخلافات قدر الإمكان، وفي محيطنا الأسري عندما يتخلص الزوج والزوجة من التقوقع حول الذات، سيكون صمام أمان لحل المشكلات والتخفيف من آثارها على أفراد أسرته، فيخصص من وقته وجهده ليستمع مشاكلهم ويقدم لهم حلولا يمكن تطبيقها على أرض الواقع، ولا نبالغ إن قلنا بوجود الشخصيات التي تمتلك جاذبية ودفئا في المشاعر وخلقا يساند الآخرين ويخفف عنهم آلامهم.