آخر تحديث: 21 / 4 / 2024م - 3:02 م

لنتواضع

محمد العلي * مجلة اليمامة

نسمع كثيرا عن الطموح إلى التفكير خارج الصندوق الذي يعني: القفز على ذاكرتك كلها، وعلى السياق الاجتماعي والثقافي الذي نشأت فيه، وأن تقوم بفعل شيء جديد لا يستند على أي شيء عرفته من قبل. وإذا كان هذا الطموح مغريا لكثير من المفكرين، والتابعين من الكتاب، الخوض فيه، فأنا أريد البحث عن هذا الذي في الصندوق، من أين جاء؟ وعلى أي كيفية استقر، وما موقف الإرادة الفردية منه، ثم كيف راح يؤثر في سلوك الأفراد والجماعات؟

جاء هذا الذي في الصندوق من تاريخ قام به غيرك، وفي ظروف تختلف عن ظروفك، أي أن أسباب وجوده قد زالت، واستقر في وعيك دون إرادتك، جاعلا سلوكك طوع إرادته. وإذن عليك الآن أن تفكر فيه؛ لقبوله أو رفضه. فهل قمت بهذا؟ أي هل قمت بما يسمونه التفكير، وهو «حركة العقل من المعلوم إلى المجهول» ثم ما هو المعلوم الذي تملكه أنت وحدك؛ حتى تستطيع العبور به من المعلوم إلى المجهول؟ إنك لا تستطيع الفكاك من كل هذا الذي استقر في ذاكرتك من الماضي، ولكن تستطيع أن تتجاوز بعضه، حين تستخدم التفكير النقدي، أي «أن ترفع مصباح الشك وتسلطه على كل ما في ذاكرتك، وألا تضع تقييما مسبقا للأفكار التي تصل إليها» ولكن ما هو موقفك حين تكون الفكرة التي وصلت إليها مناقضة لما تبقى في ذاكرتك من الماضي؟ هنا تحتاج إلى ثبات راسخ؛ لتزيل كل ما يتعارض مع ما توصلت إليه، فهل أنت مستعد لهذا؟

ليس هذا وحسب، بل أنت، في زماننا هذا، مصب لسيل من المعلومات والأفكار المتضاربة فهل شحذت طاقتك للمواجهة والتمييز بين الصواب والخطأ في هذ السيل العرم من الآراء؟ إنك لن تقدر على ذلك إلا بالاستضاءة بالقيم المنحازة لصالح الإنسان، ولكن القيم تتبادل المواقع وفق تغير الزمن الذي لا يستقر على حالة واحدة، فهل قمت بفحص سلم القيم التي تؤمن بها، وهل حددت مراتبها؟ إن القيم التي تؤمن بها هي الأدلوجية التي تقود سلوكك في الحياة؛ وعليك، قبل أي شيء، أن تحدد عناصر هذه الأدلوجية واتجاهها، معرضا عن الأصوات المنكرة التي تحاربها؛ لأنها تقتضي الالتزام بكل ما هو إنساني.

ملاحظة:

المقال السابق فرق بين حالة الكاتب وحالة أبي حيان في حين أنهما حالة واحدة سببها الإحباط.

كاتب وأديب