آخر تحديث: 20 / 5 / 2024م - 5:03 م

كيف أزاح العلم إحساسنا بالهوية

عدنان أحمد الحاجي *

8 اكتوبر 2019

بقلم ناثانيل كومفورت، برفسور تاريخ الطب، جامعة جونز هوبكنز

المترجم: عدنان أحمد الحاجي

المقالة رقم 37 لسنة 2024

How science has shifted our sense of identity

08 October 2019

Nathaniel Comfort

تعليق

لطالما غيرت التطورات البيولوجية مَنً نعتقد مَنُ نحن، كما كتب ناثانيل كومفورت Nathaniel Comfort، في مقاله الثالث من سلسلة مقالات كتبها بمناسبة الاحتفال بالذكرى السنويةلمجلة نتشر Nature، في مدى ما أثرت السنوات ال 150 سنة الماضية فيما وصلت اليهالعلوم اليوم من التطور

في الصورة المواجهة للعنوان الداخلى الأيقونية لكتاب توماس هنري هوكسلي Thomas Henry Huxley: قرينة على مكانة الإنسان في الطبيعة Man’s Place in Nature الذي صدر عام 1836 «”Evidence as to Man’s Place in Nature“»، تتقدم هياكل الرئيسيات العظمية في عرض الصفحة «كما يتقدم صف من الجنود»، ومن المفترض انها تتقدم نحو المستقبل: ”قرد الجبون Gibbon «فصيلة من القردة رشيقة الحركة» والسعلاة والشمبانزي والغوريلا والإنسان“. أدلة جديدة من علم التشريح وعلم الأحفوريات القديمة وضعت مكانة البشر ضمن سلسلة الوجود الكبرى [1]  لا يمكن دحضه علمياً. كنا بشكل لا لبس فيه مع الحيوانات - ولو على رأس خط «السلالة».

نيكولاس كوبرنيكوس Nicolaus Copernicus قد أزاحنا [يعني الكرة الأرضية هنا] من مركز الكون؛ والآن تشارلز داروين قد أزاحنا من مركز المحيط الحيوي [من النبات والإنسان والحيوان والأحياء الدقيقة وكل شيء حي]. بغض النظر عن كيف أخذ المرء خطوةْ خفضالرتبة هذه «لم يكن هوكسلي مضطربًا ذهنيًا؛ بينما داروين كان كذلك»، لم يكن هناك أحد يشك في رسالة هوكسلي الرئيسة: العلم وحده يمكنه الإجابة على ما أسماه ”مسألة المسائل“: "مكان الإنسان في الطبيعة وعلاقته ب كونية الأشياء «universe of things». ”[2] .

كان لسؤال هكسلي مكانة بارزة في الإصدارات الأولى لمجلة نتشر Nature. كان هكسلي ذكيًا واستفزازيًا، ويلقب ”بلدوغ داروين Darwin’s bulldog «كلب داروين»“ وكان من بين أكثر كتّاب المقالات طلبًا تلك الأيام. نورمان لوكير Norman Lockyer، المحرر المؤسس للمجلة، سجل انقلابًا عندما أقنع صديقه بأن يصبح كاتبًا مشاركًا منتظماًً فيما يكتبه من مقالات. في المجلة، كوَّن هكسلي أيضاً علاقة مع منصة الخطابة عندما رأى واحدة. قفز اليها واستخدم صفحات من مجلة نتشر ليثبت أحقية الداروينية والمنافع العامة للعلوم.

في العدد السابع - الصادر في 16 ديسمبر 1860 - قام هوكسلي Huxley بوضع مخطط لما أسماه ب ”الداروينية العملية“ ونحن نطلق عليه اسم علم تحسين النسل [3]  eugenics. اقتناعه بأن استمرار هيمنة الإمبراطورية البريطانية ستعتمد على ”الشخصية الإنجليزية الجريئة لتحسين النسل،“ استغرق في التفكير في فكرة اختيار ذهنية ”'استطيع أن أفعل“ a can-do attitude ”بين البريطانيين [4]  المترجم: هذه الذهنية هي ذهنية إيجابية تساعد المرء على تحقيق أي شيء يرغب في تحقيقة؛ وامتلاكه لهذه الذهنية تعني المبادرة واتخاذ منهجًا استباقيًا في جميع المواقف والحالات، معتقدًا أنه يمكنه مواجهة أي تحديات وأي صعوبات في طريقه [5] ]، مسلِّماً بأن القانون، ناهيك عن الأخلاق، قد يعترض طريقه، ومع ذلك كتب التالي:“ ربما تستطيع هذه الذهنية، ولو بشكل غير مباشر، التأثير في شخصية ذرارينا وازدهارهم. ”فرانسيس غالتون Francis Galton - ابن عم داروين ويدور في حلقة خارج دائرة هوكسلي - كان يكتب بالفعل عن أفكار مماثلة ويُعرف باسم 'الأب الروحي لتحسين النسل [بل هو أول من صاغ هذا المصطلح]“. عندما ظهرت هذه المجلة، كانت فكرة ”تحسين“ انتقال «توارث» الصفات الوراثية البشرية في أذهان الكثير من الناس - وليس أقلها استخدامها كأداة قوية من قبل الإمبراطورية البريطانية.

وجهة نظر هوكسلي البارزة - للتقدم البشري غير المحدود والإنجازات، الناجم عن مسيرة العلم التي لا يمكن أن تتوقف - تجسد مشكلة فيما يسمى بقيم التنوير. المبدأ القائل بأن المجتمع يجب أن يقوم على المنطق والمعلومات والحقائق الكونية [وهي الحقائق المقبولة على نطاق واسع والتي لا تتغير بمرور الزمن أو الظروف أو المكان وما إلى ذلك، بحسب التعريف [6] ]. هذه هي الحقائق المقبولة بلا شك. كان محورًا توجيهيًا في العصر الحديث. وهذا من نواحٍ كثيرة شيء رائع. ومع ذلك، فإن شفرة أوسكام Occam[7]  شفرة ذات حدين. قيم التنوير قد استوعبت المعتقدات الدسكوردية [8]  المتنافرة بشكل صارخ، مثل، جميع الرجال خلقوا متساوين، وأن الأرستقراطيين يجب أن تقطع رؤوسهم، وأنه يمكن المتاجرة بالناس كممتلكات منقولة.

أردت أن أشير إلى أن الكثير من أسوأ الفصول في هذا التاريخ ناتجة عن مذهب النزعة العلموية [9]  scientism: وهي الإيديولوجية القائلة بأن العلم هو الطريقة الصحيحة الوحيدة لفهم العالم وحل المشكلات الاجتماعية. حيث توسع العلم كثيراً وحرر إحساسنا بالذات [10] ]

طوال ال 150 سنة الماضية، يمكننا أن نرى العلم ومذهب النزعة العلموية يشكلان الهوية الإنسانية بطرق عديدة. علم النفس التنموي ركز على الفكرة، مما أدى إلى تحويل معدل الذكاء الطبيعي IQ من أداة تعليمية إلى سلاح للتحكم الاجتماعي [يشير هذا المصطلح الضبط الاجتماعي إلى الآليات أو العمليات المجتمعية والسياسية التي تنظم سلوك الفرد والجماعة في محاولة للوصول إلى الامتثال والمطابقة مع قواعد مجتمع معين أو حكومة أو فئة اجتماعية [11] ]. أعاد علم المناعة تعريف ”الذات“ [الذات self هي مل تتعلق بالجسم نفسه / ينتجها الجسم نفسه [12] ] من حيث ”غير الذات non-self“ [في علم المناعة، غير الذات هي الجسم الخارجي الغريب الذي يثير استجابة مناعية، بحسب قاموس كولين Collins]. نظرية المعلومات [13]  وفرت استعارات جديدة تعيد صياغة الهوية على أنها كامنة في نص أو مخطط الأسلاك [14] . في الآونة الأخيرة، الدراسات الخليوية والجزيئية وسعت من حدود الذات. تقتية الإنجاب [15]  والهندسة الوراثية والبيولوجيا التركيبية [16]  جعلت الطبيعة البشرية مرنة أكثر، علم التخلق المتعاقب [17]  والمايكروبايلوجيا «البايلوجيا الدقيقة» عقدت مفاهيم الفردانية [18]  والاستقلالية [قدرة الفرد العاقل على صنع قراره الذاتي أو قانونه بنفسه من دون تدخل أي طرف آخر [19] ، التكنولوجيا الحيوية وتكنولوجيا المعلومات تلمحان إلى عالم حيث تكون الذات موزعة ومشتتة ومفتتة.

الهويات الفردية، المتجذرة في البايلوجيا، ربما لم تلعب أبدًا دورًا أكبر في الحياة الاجتماعية، بل اصبحت حدودها ومعالمها أكثر ضبابية.

التصاميم التي أُجريت على الذكاء

كتب عالم النفس الفرنسي ألفريد بينيت Alfred Binet في 1914 ”[20]  يجب إدخال طرق الدقة العلمية في جميع الدراسات التعليمية، لتحمل في كل مكان الحس السليم والتنوير،“ وقبل عقد من الزمن، طور بينيت وتيودور سيمون Théodore Simon سلسلة من الاختبارات لأطفال المدارس الفرنسية لقياس ما أطلقوا عليه ”السن العقلي [21] “. فإذا كان سن الطفل العقلي أقل من سنه الزمني، فبإمكانه الحصول على مساعدة إضافية للحاق بالركب. أخذ عالم النفس الألماني ويليام ستيرن William Stern نسبة السن العقلي إلى السن الزمني، حيث أنتج ما أسماه معدل الذكاء الطبيعي IQ، ومن الناحية النظرية، جعله قابلاً للمقارنة بين المجموعات / الجماعات. وفي الوقت نفسه، وجد تشارلز سبيرمان Charles Spearman، أخصائي الإحصاء البريطاني وأخصائي تحسين النسل في كلية غالتون Galton، وجود تلازم طردي بين أداء الطفل في اختبارات مختلفة. لتفسير هذا التلازم، وضع نظرية فطرية ثابتة وجوهرية أطلق عليها حرف ”g“ ”للذكاء العام.“ ادعى باحث علم النفس الأمريكي هنري غودارد chologist Henry Goddard، بعد أن همس في أذنه تشارلز دافنبورت Charles Davenport، أن معدل الذكاء المنخفض سمة مندلية بسيطة [22]  [المترجم: مما يعني أنها سمة وراثية]. وهكذا، خطوة علمية بعد أخرى، حوَّل معدل الذكاء الطبيعي من مقياس للأداء السابق للطفل إلى مؤشّر لأداء أي طفل في المستقبل.

لقد أصبح معدل الذكاء الطبيعي IQ مقياسًا ليس لأداء الشخص، ولكن مقياساً لـ الهوية - درجة قيمة الشخص كشخص في ذاته وبطبيعية وغير متعلقة بأشياء أخرى [23] . في الحقبة التقدمية [في امريكا امتدت بين عشرينات القرن العشرين إلى الستينات منه [24] ]، أصبح علماء تحسين النسل مهووسين بضعف الذكاء، معتقدين أنه السبب الجذري للجريمة والفقر والفوضى الجنسية والمرض. عندما وسع أدولف هتلر تحسين النسل ليشمل مجموعات عرقية وثقافية بأكملها، كان عشرات الآلاف من الناس في جميع أنحاء العالم قد اُنتُزعوا بالفعل من مجموعة الجينات أو أُجريت علهم عمليات عُقم [حرمانهم من القدرة على التناسل] أو أضفي عليهم الطابع المؤسساتي وحُجر عليهم فكريًا فلا يستطيعون لا التفكير ولا التصرف باستقلالية، أو أُجري عليهم كل ما ذكر.

ليس انا

أخذ علماء المناعة مقاربة أخرى، حيث حددوا مكان الهوية في الجسم، وعرَّفوها بعبارات نسبية لا مطلقة: الذات self «ما تتعلق بالجسم نفسه / ينتجها الجسم نفسه» وشيء أجنبي عن الجسم «شيء لا يتعلق بالجسم ولا ينتجه الجسم non-self». لا يمكن فهم رفض الجسم لترقيع الأنسجة الجراحية والحساسية وردود فعل المناعة الذاتية كحرب بل كأزمة هوية.

”أفلاطون المناعي“ كان عالم المناعة الأسترالي فرانك ماكفارلين بيرنت. أسلوب بيرنت للمناعة كعلم الذات self كان ردة فعل مباشرة لقراءته للفيلسوف ألفريد نورث وايتهيد Alfred North Whitehead. كمعاملة بالمثل، فلقد استند المنظرون الاجتماعيون، من جاك دريد ا Jacques Derrida إلى برونو لاتور Bruno Latour ودونا هارواي Donna Haraway، على أفكار تصورية ومفاهيم مناعية في وضع نظرية الذات في المجتمع. النقطة المهمة هي أن الفكر العلمي والاجتماعي متشابكان بعمق ومتناغمان ومعززان لبعضهما. لا يمكنك فهم أحدهما بالكامل دون فهم الآخر.

في وقت لاحق، انجذب بارنت Burnet إلى استعارات جديدة مأخوذة من السيبرنيطيقا cybernetics ونظرية المعلومات. ومن منطلق الزمن، كما كتبت في عام 1954 [25] ، للاعتقاد بأنه ستكون هناك قريبًا ”نظرية اتصالات communications theory“ للكائن الحي. ”في نفس الفترة، أصبح علماء البيولوجيا الجزيئية متحمسين لاستعارات المعلومات. وبعد حل 1953 لحلزون الحمض النووي DNA المزدوج، مع تبلور مسألة الشفرة الجينية، وجد علماء الأحياء الجزيئية تشابهاً مع معلومات ونصوص واتصالات communications لا تقاوم، واستعارة كلمات مثل“ النسخ البيولوجي transcription[26]  ”، و“ الترجمة البيولوجية”translation [27]  ”والحمض النووي المرسال،“ و”عمليات نقل حمض نووي جديد إلى خلية كائن حي“ و”تبلدل الاشارات بين الخلايا signaling.“ الجينوم ”يتكون من 4 حروف“ أبجدية، " ويُناقش دائمًا تقريبًا كنص، سواء أكان كتابًا أم دليلاً أو قائمة قطع. ليس من قبيل الصدفة، أن نشأت هذه الحقول إلى جانب علوم الكمبيوتر وصناعة الحوسبة.

أصبحت الذات ما بعد الحرب الشفرة التي ينبغي ان تُفك. تسلسل الحمض النووي DNAيمكن أن يكون رقميًا «مرقمنًا». يمكن اعتراض رسائلها، على الأقل من الناحية النظرية، وفك شفرتها وبرمجتها. سرعان ما سيصبح من الصعب عدم التفكير في الطبيعة البشرية من حيث المعلومات. بحلول الستينيات من القرن الماضي، أصبح الحمض النووي يعرف باسم ”سر الحياة“.

الذوات المتعددة selves

في أواخر الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، شعر النقاد «بمن فيهم عدد من الباحثين» بالقلق من أن البيولوجيا الجديدة يمكن أن تغير ماذا يعني أن تكون إنسانًا. القضايا الأخلاقية والاجتماعية التي أثيرت كانت ”مهمة للغاية لدرجة لا يمكن تركها فقط في أيدي المجتمعات العلمية والطبية،“ كما كتب جيمس واتسون في عام 1971 «الذي اشتهر بالحمض النووي وبعدها صار سيّء الصيت».

في عام 1978، نجح باتريك ستيبتو Patrick Steptoe وروبرت إدواردز Robert Edwards في الإخصاب البشري في المختبر IVF، مما أدى إلى ولادة لويس براون Louise Brown، أول ”طفل أنبوب.“ بحلول عام 1996، بدا أن استنساخ البشر كان قاب قوسين أو أدنى وذلك بعد استنساخ نعجة أطلق عليها إيان ويلموت Ian Wilmut وفريقه اسم النعجة ”دوللي Dolly.“

الاستنساخ والهندسة الجينية «الوراثية» تحث على الكثير من البحث عن الأفكار والمشاعر والتعرف على الأهداف والدوافع soul-searching ولكن لم يعرف إلا البسيط من ذلك. منذ فترة طويلة كان هناك شيء فظيع ورائع حول فكرة الإنسان المستنسخ، وربما ليس إنساناً تمامًا. هل يتمتع الشخص المستنسخ بنفس الحقوق التي يتمتع بها المولود طبيعياً؟ هل الطفل المنعقد «في الرحم» بصورة طبيعية أو المُهَندس وراثياً ليصبح مانح أنسجة بطريقة ما يُجرد من إنسانيته؟ هل نمتلك الحق في تغيير جينات الجنين؟ أو، كما جادل المستفزون «بكسر الفاء»، هل لدينا التزام بفعل ذلك؟ التطور الحديث لأدوات تحرير الجينات الفعالة مثل كريسبر CRISPR قد جعل توسيع المشاركة في هكذا اتخاذ قرار أكثر إلحاحًا.

غالبًا ما تعتمد الحجج، سواء المؤيدة أم المعارضة، حول هندسة البشر وراثيًا على المعرفة المفرطة الحتمية بالهوية الجينية [الهوية الجينية تعني التماثل في الصفات الوراثية [28] ]. مذهب النزعة العلموية [9]  يمكن أن يكون سيفًا ذا حدين. الإختزالسية reductionism [29]  «ممارسة تحليل مفاهيم معقدة إلى عناصرها الأساسبة ووصفها» العميق وجد الطبيعة البشرية داخل نواة الخلية. في عام 1902، كتب الطبيب الإنجليزي أرشيبالد جارود [Archibald Garrod [30 عن ”الفردية الكيميائية“ المستندة إلى الوراثيات «الجينتكس». في تسعينيات القرن الماضي، عندما بدأ تسونامي أول بيانات التسلسل الجيني يجرف شواطئ العلوم الأساسية، أصبح من الواضح أن التباين الجيني البشري كان أكثر اتساعاً بكثير مما كنّا ندرك. أصبح الطبيب الانجليزي غاروود Garrod طوطم عصرالجينوم.

بحلول نهاية القرن الماضي، بدأ الحالمون يروجون إلى ظهور ”الطب الشخصي“ على أساس الجينوم. لم يعد هناك ”مقاس واحد يناسب الجميع،“ كما يقول الشعار. ولكن بدلاً من ذلك، سيُشخصن التشخيص والعلاج المناسب لك - وهذا يعني المناسب لحمضك النووي. بعد مشروع الجينوم البشري، انخفضت تكلفة عمل تسلسل الحمض النووي، مما جعل ”عمل تسلسل جينومك“ جزءً من الثقافة الشعبية.

اليوم، تقدم الجامعات التقنية المتقدمة خرائط «بصمات» الجينوم لجميع طلاب السنوات الأولى القادمين. تدعي بعض الشركات أنها تستخدم جينومك لتركيب قوائم مشروبات شخصية أو مكملات غذائية أو كريم بشرة أو عصائر أو مرطبات شفايف. أصبح تسلسل الذات self. كما هو مكتوب على مجموعة kit «صندوق» فحص الحمض النووي من شركة 23andMe التي تقوم بعمل تسلسل الحينوم.

الحدود الضبابية

لكن أنت لست كل ما أنت - ليس بعيد الإحتمال. نموذج الحمض النووي كنموذج مخطط blueprint عفا عليه الزمن، غريب بشكل جذاب تقريباً. بالنسبة للمبتدئين، جميع الخلايا الموجودة في الجسم لا تحتوي على نفس الكروموسومات «الصبغيات». الأمهات هن أيضا خيمرات [31,32] وذلك بفضل تبادل الخلايا مع جنينها من خلال المشيمة.

تستطيع الخيمرية [32]  عبور حدود الأنواع الحية species [الانتقال من نوع إلى آخر] أيضًا. أُنتج جنين شمبانزي - بشري في المختبر، ويعمل الباحثون بجد في محاولة لتنمية أعضاء بشرية لها تحمل مناعي [33]  في الخنازير. الجينات والبروتينات والكائنات الحية تنتقل بشكل مستمر بين أي أشكال الحياة المتعايشة جنبًا إلى جنب. كان جون لينون محقًا حين قال: ”أنا كما أنت، وكما أنت أنا، وكلنا جميعاً معًا“

حتى من الناحية العلمية البحتة، ”أنت“ أكثر من محتويات صبغياتك chromosomes. جسم الإنسان يحتوي عدد خلايا بعدد خلايا الكائنات غير البشرية «والتي معظمها من البكتيريا والعصريات والفطريات» على الأقل كخلايا إنسان [34] . عشرات الآلاف من الأنواع الميكروبية تتجمع وتتدفق داخل الجسم وعبره، ولها تأثيرات عميقة في الهضم والبشرة ومقاومة الأمراض والرؤية والمزاج. بدونها، لن تشعر أنك أنت؛ في الحقيقة، أنت لست انت فعلاً. الذات البيولوجية biological self أعيد صياغتها ك كوكبة من المجتمعات، كلها متواصلة مع بعضها بعض.

الذات المتوزعة

زراعة الدماغ، والواجهات البينية interfaces بين الإنسان والآلة وغيرها من الأجهزة العصبية تأخذ الذات إلى مجال ”عالم الأشياء universe of things“. تسعى شركة نيرولينك Neuralink التابعة لشركة إيلون ماسك Elon Musk في سان فرانسيسكو، كاليفورنيا، إلى جعل الواجهة البينية بين الدماغ والآلة بدون وصلات - مجاز الخيال العلمي ذلك - حقيقة «افتراضية». الذكاء الطبيعي والذكاء الاصطناعي متقاطعان بالفعل. ليس الأمر بعيد المنال بالنسبة لهما لأن يندمجا معاً بطريقة ما، في يوم ما.

يمكن أن تصبح الذات ليست ممتدة فحسب ولكن موزعة؟ الكاتب والمحرر لمجلة نتشر السابقفيليب بول Philip Ball سمح للباحثين بتجربة خلايا جلده، وتحويلها إلى خلايا جذعية «مع إمكانية أن تصبح أي عضو من الأعضاء» ثم تُزرع في ”أنسجة عصبية دماغية مصغرة،“ في طبق بيتري وتنتج أنماطاُ من ومضات كهربائية معهودة لمناطق الدماغ. لا تزال ضروريات الخيال العلمي الأخرى، مثل تنمية أدمغة كاملة في أطباق بيتري أو استنبات أعضاء بشرية في حيوانات، بعيدة كل البعد، لكن الجهود النشطة لتحقيقها مستمرة.

ضبط النفس

ومع ذلك، هناك ما يكدر الأمر. معظم مفاهيم عصر المنطق هذه، وسيناريوهات الخيال العلمي السائدة لمستقبل ما بعد الإنسان، طُورت من قبل رجال حاصلين على تعليم جامعي لم يكونوا معاقين، وينتمون إلى الطبقات الوسطى والعليا في الدول الغنية. الشمال العالمي. لا تعكس النتائج أفكارهم فحسب، بل تعكس أيضًا قيم أولئك المسؤولين عن النظام العلمي لفترة طويلة: أنصار الوضعية الفلسفية positivist، والاختزاليون reductionist «الذين يحللون الظواهر المعقدة إلى ابسط عناصرها ويشرحونها» وتركز على الطبيعة السائدة. أولئك الذين يتحكمون في وسائل إنتاج التسلسل عليهم أن يكتبوا السردية.

لقد بدأ هذا يتغير. على الرغم من أنه لا يزال أمامنا مشوار طويل، إلا أن الاهتمام المتزايد بالمساواة والدمج inclusion [عكس الاستبعاد] والتنوع قد شكل بالفعل التفكير العميق في الأمراض والصحة وما يعنيه أن تكون إنسانًا. من المهم أن السيدة هنريتا لاكس Henrietta Lacks،، التي استٌخدمت خلاياها السرطانية في المختبرات في جميع أنحاء العالم وزرعت ووزعت دون موافقتها، كانت امرأة أمريكية فقيرة من أصل أفريقي. حفزت قصتها حوارات ونقاشات لا تعد ولا تحصى حول عدم المساواة والتحيزات في الطب الحيوي، وغيرت الممارسات في أكبر ممول للأبحاث الطبية في الولايات المتحدة، وهي المعاهد الوطنية للصحة.

بالنظر إلى علم الأنساب الجيني [35]  من منظور أمريكي من أصل أفريقي، كشفت باحثة علم الاجتماع ألوندرا نيلسون Alondra Nelson عن جهود معقدة وعاطفية لاستعادة تواريخ العائلات المفقودة في المرحلة الوسطى Middle Passage. «من مراحل تجارة العبيد عبر المحيط الأطلسي حيث تم نقل الأفارقة كعبيد إلى الأمريكيتين» وفي مجتمع الأمريكيين الأصليين، كان إنشاء هوية جينية محلية [الهوية الجينية تعني التماثل في الصفات الوراثية [28] ] إنتاجًا مشتركًا للعلوم الغربية وثقافة السكان الأصليين، كما بيَّن المؤرخ كيم تالبير TallBear. المفاهيم الإثنية المستندة إلى الحمض النووي ليست بعيدة عن المشكلات. ولكن الدافع لجعل تكنولوجيا الذات أكثر سهولة، وأكثر ديمقراطية - بشكل أكثر عن تقرير المصير وأقل حول الضبط الاجتماعي - هو في الأساس، دافع تحرري.

تنطبق هذه بشكل جلي جدًا على من يعانون من إعاقات ويستخدمون التقنيات المساعدة. قد يكتسبون أو يستعيدون حواسهم، وقد يكونون قادرين على التواصل والتعبير عن أنفسهم بطرق جديدة، ويكتسبون علاقات جديدة بعالم الأشياء.

منذ عصز التنوير، كنا نميل إلى تعريف الهوية الإنسانية وقيمتها من حيث قيم العلم نفسه، كما لو كان وحده يمكنه أن يخبرنا من نحن. هذه فكرة غريبة وضيقة الأفق. في مواجهة الاستعمار والعبودية والأوبئة الأفيونية والتدهور البيئي وتغير المناخ، لم تعد فكرة أن العلوم والتكنولوجيا الغربية هي المصادر الموثوقة الوحيدة لمعرفة الذات. هذا لن ينسب البؤس الإنساني إلى العلم - أو بعيدًا عنه. المشكلة هي النزعة العلموية. تعريف الذات فقط بالمصطلحات البيولوجية يبدو انه يحجب الأشكال الأخرى للهوية، كجهد الشخص أو دوره الاجتماعي. ربما الجواب على ”سؤال هوكسل“ Huxley ليس رقمًا، بالنتيجة.

 

مصادر من داخل وخارج النص:

[1]  https://ar.wikipedia.org/wiki/سلسلة_وجود_عظمى

[2]  https://www.upress.umn.edu/book-division/books/the-universe-of-thingsm.

[3]  https://ar.wikipedia.org/wiki/تحسين_النسل

[4]  https://www.nature.com/articles/001183a0

[5]  https://www.twinkl.com.sa/blog/what-is-a-can-do-attitude-and-how-can-you-develop-one

[6]  https://byjus.com/question-answer/give-some-examples-of-universal-truth/#

[7]  https://ar.wikipedia.org/wiki/نصل_أوكام

[8]  https://ar.wikipedia.org/wiki/ديسكوردية

[9]  ”إن مذهب العلموية هو مصطلح يستخدم، عادة بشكل ازدرائي، للإشارة إلى الاعتقاد بالتطبيق الشامل للمنهج العلمي والطريقة العلمية ووجهة النظر التي تقول بأن العلم التجريبي يشكل الرؤية الكونية الأكثر موثوقية أو الجانب الأكثر قيمة من تعلم الإنسان الذي يستبعد وجهات النظر الأخرى.“ مقتبس من نص ورد على هذا العنوان:

https://ar.wikipedia.org/wiki/علموية

[10]  https://ar.wikipedia.org/wiki/مفهوم_الذات

[11]  https://ar.wikipedia.org/wiki/ضبط_اجتماعي

[12]  https://ar.wikipedia.org/wiki/ذات

[13]  https://ar.wikipedia.org/wiki/نظرية_المعلومات

[14]  https://ar.wikipedia.org/wiki/رسم_بياني_لشبكة_الأسلاك

[15]  https://ar.wikipedia.org/wiki/تكنولوجيا_الإنجاب

[16]  https://ar.wikipedia.org/wiki/علم_الأحياء_التركيبي

[17]  -https://ar.m.wikipedia.org/wiki/علم_التخلق

[18]  https://ar.wikipedia.org/wiki/فردانية

[19]  https://ar.wikipedia.org/wiki/استقلال_ذاتي

[20]  https://www.abebooks.com/Mentally-Defective-Children-Binet-Simon-T/22394252166/bd

[21]  https://ar.wikipedia.org/wiki/عمر_عقلي

[22]  https://ar.wikipedia.org/wiki/سمات_مندلية_عند_البشر

[23]  https://ar.wikipedia.org/wiki/خواص_جوهرية_وغير_جوهرية

[24]  https://ar.m.wikipedia.org/wiki/الحقبة_التقدمية

[25]  https://www.journals.uchicago.edu/doi/10,1086/678176

[26]  https://ar.wikipedia.org/wiki/نسخ_ «وراثة»

[27]  https://ar.wikipedia.org/wiki/ترجمة_ «وراثة»

[28]  https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC6980575/

[29]  https://ar.wikipedia.org/wiki/اختزالية

[30]  https://www.scientificamerican.com/article/how-antibodies-are-made

[31]  https://ar.m.wikipedia.org/wiki/خيمر

[32]  ”يُطلق على الذين لديهم مجموعتان مختلفتان من الحمض النووي الخيمر chimerasالبشري، ويمكن أن يحدث ذلك عندما تكون المرأة حاملاً بتوأم شقيق وتوفي واحد بشكل مبكرً. يمكن للجنين الآخر“ امتصاص" خلايا التوأم. المتوفى. يمكن أن يحدث هذا أيضًا بعد زرع نخاع العظم، و«على نطاق أصغر» أثناء الحمل الطبيعي. ترجمناه من نص ورد على هذا العنوان:

https://www.google.com/amp/s/amp.insider.com/what-is-a-human-chimera-and-how-does-it-happen-2017-11

[33]  https://ar.m.wikipedia.org/wiki/تحمل_مناعي

[34]  https://www.thelancet.com/journals/lancet/article/PIIS0140-6736 «01» 41972-6/fulltext

[35]  https://ar.wikipedia.org/wiki/علم_الأنساب_الجيني

المصدر الرئيس

https://www.nature.com/articles/d41586-019-03014-4?utm_source