آخر تحديث: 1 / 3 / 2024م - 1:56 ص

رحيل الشيخ علي خسارة

عيسى العيد *

لا شك ولا ريب في أنّ النقاشات على اختلاف أنواعها مفيدة، ولها نتائج مثمرة على جميع المستويات، وتساعد في تنمية الفكر، لكنّ تلك النقاشات والحوارات لها أسس وقوانين، أولها الاحترام المتبادل بين الجميع، وآخرها التسليم، هكذا تساعد في الاستفادة من الحوارات، خلاف ذلك تأتي بنتائج عكسية على المتحاورين، أبرزها شدة التطرف، والتشدّد لكلّ فكرة متمسك بها حتى وإن اقتنع بما يقوله الطرف المقابل، أما إذا كانت تلك القوانين والأسس في الحوار هي السائدة، فإنّها تساعد على نضج الأفكار وتنمية العقول.

الشيخ والمعلم علي بن محمد حسن الصفار الذي وافته المنية خلال الأيام المنصرمة، يتصف بصفات كثيرة قد ذكرها بعض من يعرفه، الأخلاقية منها والإيمانية، وقد ملك قلوب من عرفه لما يمتلك من صفات عالية جديرة بالذكر والإشادة، حتى نشجع بعضنا على التحلّي بتلك الصفات الجميلة.

في هذه المقالة سأتناول واحدة من صفاته التي تستحقّ الإشادة بها، وهي الأسلوب الحواري الذي يتمتع به، فلديه أسلوب جميل في مناقشة في أيّ جلسة يكون فيها، يتمتع بالهدوء في طرح رأيه يجعل الطرف المقابل يحترمه ويُجلّه.

لنا في كل ليلة جمعة جلسة، بعدما يؤمّ الجماعة في مسجد الرفعة بتاروت، حيث إنّ هذه الليلة مخصصة له باعتبار أنّ الإمام الراتب يكون منشغلًا فيها، فينوب عنه الشيخ علي رحمه الله. بعد الصلاة يجلس مجموعة من شباب المسجد ويكون الحوار فيها مفتوحًا. الشيخ علي «رحمه الله» بطبعه لا يبدأ الكلام، إنما يكون مستمعًا، وإذا كان له رأي يطرحه بكلّ هدوء، ولا يستبدّ برأيه أبدًا، إنّما يناقش بالأدلة التي يراها وبطريقته الجميلة، مستمع جيّد محترم في طرح رأيه، يُسلّم إذا اقتنع بفكرة الطرف المقابل، وينصرف عندما يخرج النقاش من دائرته السليمة، ولا يقبل التجريج بأحد اختلف معه.

أتذكر ذات ليلة قد فُتح موضوع الفرق بين النبي والرسول، وقد طرحت آراء كثيرة، من تلك الآراء ما ذكره أحد الإخوة أنّ القرآن الكريم يفرّق بين اللفظين، فعندما يخاطب الله النبي يخاطبه كبشر كما جاء في الآية الكريمة ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ، بخلاف ذلك عندما يخاطبه بالرسالة فيعتبر طاعته من طاعة الله كما في الآية الكريمة ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ، فبالتالي أن الرسول هو المعصوم في تبليغه، أما النبي فهو البشري الذي يعيش بين الناس.

اشتدّ النقاش حتى تطرّف أحد الحضور في رأيه وخرج من طور النقاش، فما كان من الشيخ علي إلّا أن أغلق النقاش بتغيير اتجاهه، فسألته - على انفراد - عن سبب تغيير اتجاه النقاش، فردّ قائلًا: هذا ليس حوارا إنما هو مراء، لذلك السكوت عنه أفضل، لعدم جدوائيته، ولا نريد خسارة صديق، مع أنه رحمه الله كان هادئًا في نقاشه ومبتسمًا ويتحلّى بالأخلاق العالية.

كلّ من يعرفه يلمس فيه هذه الصفة، بالإضافة إلى صفات أخرى يتحلّى بها رحمه الله، ولا أبالغ عندما أقول إنه قلّ نظيره في احترام آراء الناس ومناقشتها بكلّ موضوعية متمسّكًا بقوانين الحوار والنقاش، وينصح من يعرفه ألّا يدخل في نقاشات خارجة عن قوانينها الأساسية؛ لأنّ مخرجاتها غير نافعة، فرحمك الله يا أبا توراة، كنّا أحوج إليك أن تكون بيننا لنتعلّم منك صفات أخلاقية حميدة، لكن لا اعتراض على أمر الله سبحانه وتعالى «وإنا لله وإنا إليه راجعون».