آخر تحديث: 1 / 3 / 2024م - 1:56 ص

التاريخ يمثل أصالة.. المؤرخ عبدالخالق الجنبي أنموذجاً

زكريا أبو سرير

يقال في الأمثال الشعبية: اللي ماله ماضي ماله حاضر...

يمثل التاريخ في الفكر البشري ذاكرة مليئة بالمعلومات وبالأحداث والقصص والمغامرات التي مر بها الإنسان طوال عمره الزمني التي خلفه على هذا الكوكب الكبير والواسع، فكان نتاج تلك التراكمات البشرية فيه صناعة حضارات تلو الحضارات وتشكل معها الفكر البشري بمختلف تنوعاته الفكرية والعقدية والثقافية، ونتج عن ذلك تراثا يمثل امتدادا زمنيا محملا بثقافات وحضارات من الفكر والثقافة باتت مدعاة للتفاخر بين الأقوام جيلا بعد جيل.

وأينما ولّى الإنسان ستجده يحمل معه هاجس أصله وفصله وتاريخه وتراثه حيث يعتبر الإنسان هو بداية النشأة الأولى لبناء الحضارات والثقافات، وهي تكوين جذوره ووجوده على هذه الأرض المعمورة وما يشكل له هذا التراث الحضاري الثقيل عن نوع من الاعتزاز بتلك الجذور التي تربطه بعمق تاريخي، وعمر هذه الأرض التي حباها ربنا بنعم كثيرة وأعطاها جانبا كبيرا من الأهمية والاهتمام الإلهي، بل غرز بينها وبين الإنسان بعلاقة غريزية لا يمكن كبحها أبدا، إذ ربط بينهما علاقة لا تنتهي حتى بعد رحيل الإنسان منها حيث تشكل له وإلى أجياله القادمة الأصالة والاستمرارية.

من هذا وغيره انطلقت كوابح المعرفة التاريخية عند الكاتب والباحث والمؤرخ عبد الخالق الجنبي في عهد مبكر ليكتشف المزيد والمزيد من الإرهاصات والأسرار التاريخية التي غضتها تلك الصخور والرمال التي طوتها الأيام والسنون حتى أصبحت جبلا شامخا معطاء بأسرار الأحداث المتراكمة التي خلفت وراءها تلك الحضارات العظيمة ليرثها الإنسان وليستمر في اكتشاف المزيد من كنوز المعرفة المغيبة عنا، ولا يمكن الاستمرار في حفرها واكتشاف أسرارها إلا بالتسلح بالصبر والعزيمة والبحث العلمي المستمر.

وحين بدأ الكاتب والمؤرخ أبو طاهر مشواره التاريخي لاكتشاف العوالم الباطنة في جوف الأرض والساكنة فيها وهي آثار جمة تركت للأجيال القادمة لتكشف عن قيمة الإنسان وما خلفه في باطنها، راح كاتبنا بشغفه ليحفر باطن أرضه وموطنه ومسقط رأسه القطيف وهجر والبحرين ومن ثم انطلق إلى دول الخليج العربي وبقية الدول العربية المجاورة للبحث في طبقات تلك الأراضي طمعا في المزيد من الاكتشافات عن تلك الحضارات التي مرت على أراضيها وتركت آثارها عليها، فراح كاتبنا مشمرا عن ذراعيه ليكشف لنا أسرارها كيف بدأت وكيف أصبحت وكيف انتهت وماذا خلفت للإنسانية، وهذا لا يمكن اكتشافه إلا عبر جهد جهيد بذله الكاتب طوال مشواره التاريخي الثقافي القيم، وذلك عبر القراءات المتعددة والمطالعات المختلفة من مختلف الجهات والأماكن البعيدة والقريبة لكي يضمن جودة تلك المعلومة وحقيقتها.

وكان الكاتب عبد الخالق الجنبي مولعا بالتاريخ فضلا عن الجانب الثقافي الأدبي، فهو يتسم بعمق ثقافي كبير وبالخصوص في الجانبين الثقافيين التاريخي والأدبي، وهذا ما شهد له به حضوره وإسهاماته الأدبية في الصالونات الثقافية والأدبية ونتاجه التأليفي فيهما، وقد ارتبط المؤرخ عبد الخالق الجنبي بعلاقات عميقة وواسعة مع جملة من الشعراء والأدباء الكبار من داخل البلد وخارجها، وهذا ما لمسه الجميع من القراء عبر منصات الإعلام المختلفة كيف تفجرت منها التعازي والمواساة من مختلف الشخصيات الثقافية والأدبية والتاريخية والدينية ومن مختلف الجهات حين أتى نبأ رحيل الأديب والمؤرخ عبدالخالق الجنبي إلى جوار ربه بذكرياتهم معه، سواء كانت تلك الذكريات في شكلها الحضوري والحواري أو عبر قنوات التواصل الاجتماعي الحديث، وكانت نقطة الاتفاق التي جمعت بينهم حول الكاتب أنه كان يتمتع بسعة كبيرة من الأخلاق الواسعة والمتميزة، حيث عرف عنه ذلك أكثر في الحوارات التي دارت بينهم وبين الكاتب عند الاختلاف في وجهات النظر عند الطروحات التاريخية والتراثية مع الراحل، فكانت أخلاقه الإنسانية لا ترى فيها نوعا من التغير، إذ تجده مع المختلف معه في الرأي كالمتفق معه في الرأي أو الرؤية، ترى أخلاقه تظل حميمية وفي مستوى واحد مع كل الأطراف.

كان الراحل رحمه الله يتسم بحرية الرأي والرأي الآخر بكل أريحية مع تمتعه بمستوى ثقافي واسع، وهو العنصر الآخر الذي أبهر كل من عرفه من قرب أو من بعد، لهذا عد الراحل بأنه أحد أبرز النخب الثقافية في المنطقة، لهذا شكل فقده خسارة كبيرة على المشهد الثقافي.