آخر تحديث: 23 / 5 / 2024م - 8:45 م

روح وريحان… الحلقة الثالثة: كون أسرة ناجحة

المهندس أمير الصالح *

الروح تحتاج أرواح حولها. والناس للناس والكل بالله. ولكن ليس كل الأرواح لها ريحان عطرة وأثر جميل على النفس. والواقع هناك أناس دورها بحياة الآخرين أنها تبقى مجرد ناس أشبه بعابري سبيل في حياة الآخرين ولفترة زمنية محدودة لكون أرواحهم لم تتوالف. وهناك ناس وإن كانوا حولك بحكم الزمالة المهنية أو الجوار أو الجغرافية أو التعامل التجاري الصرف أو تقديم خدمات صناعية / طبية / علمية معينة، إلا أنه لم تتجاوز حدود إطار التعامل الرسمي معها. وأنت أيضا عملت على ألا تسمح علاقات لأولئك الناس أن تتعداها؛ لأنك قرأت الأطر ورسمت الحدود من البداية. وفيه أناس قد تختصها لنفسك، ويكونوا لك بمثابة الخواص، وتكون العلاقة بهم ممتدة لباقي العمر، وتتفنن في التمسك بهم والتغافل عن عثراتهم وغض النظر عن بعض هفواتهم وإرواء شجرة المحبة بهم، وتشتاق روحك للقياهم، وتبذل الجهد والوقت والمال من أجل الاجتماع بهم. ولعل بلوغ محطة انتقاء الصفوة من عديد البشر الذين عشت وتعاملت واختلطت بهم، وجاورتهم وحججت إلى مكة، وصليت في ذات المسجد معهم إلى مرحلة انتقاء الصفوة، وجعلهم أقرب المقربين جدا منهم أمر وفقت إليه، أو ما زلت تناضل لبلوغه.

تعداد البشر في تزايد كثيف وكبير من حولك في العالم الواقعي والعالم الافتراضي، إلا أن هنالك إضاءات حكيمة ترشدك لأن تكون أكثر راحة وكفاءة في رسم الحدود لك ولمن اصطفيتهم في التعاطي والتعامل بينكما. غربلة التفاعل الإيجابي والمشجع وتمييز من يحمل توافقاً مع مفاهيمك للحياة، ويعينك لصنع الأفضل من نفسك هي أهم سمات الانتقاء للصديق الصدوق. ومن جملة تلك الإرشادات التي يحرص على رسمها من يود رسم خطوط العلاقة الجادة والناضجة والمحترمة بالآخرين ممن هم حوله، نذكر التالي:

كن حذرا في مجالس الآخرين، فإن جلساءك يرسمون حدود التعامل معك بناء على حدود تهاونك عند المساس بشؤونك الشخصية / Be careful what you tolerate. You are teaching people how to treat you.

وجود لقب لأحد أصدقائك «دكتور، طبيب، مستشار، مهندس، وجيه، مدير» لا يعني حصانة له من الوقوع في أخطاء وقرارات وتحليلات كارثية أو مميتة. فلا تبيع عقلك للآخرين لمجرد وجود لقب يسبق اسمه. بل زن الأمور بحكمة وعقل ودراية.

أنت غير مُكلف أن تكون مهرجاً لكي تكون مقبولا في بعض المجالس. ولا هم أيضا مُكلفون أن يكونوا مهرجين لكي تقبلهم. ولكن على الإنسان أن يكون واقعياً وعملياً، ولا يطلب من الآخرين أن يكونوا وفق مزاجه وهواه. وإن هناك إقبالاً وإدباراً لكل نفس بشرية على أي أمر. والعاقل ينأى بنفسه من الجلافة والتكبر والزهو والمجون لكيلا يوصف بالمعتوه أو الفاسق أو منعدم الجميل وناكث للعهود. فالروح الصافية تنجذب للطيب والمحسن واللطيف والرزين والبشوش والودود.

قبل أن تتطلع من الآخرين مساعدتك في أزماتك وعيادتك في سقمك بادر أنت بضيافتهم وبمساعدتهم بالقدر الذي تستطيع معنويا أو ماديا أو كلاهما. فصاحب الأولة، المبادر، هو صاحب المعروف، ولا يسبقه لاحق وهو من يرسم خطوط علاقات جديدة.

تذكر أن الكسلان تتعب نفسه حتى مع كثرة الراحة، وأن المتذمر تتعب نفسه حتى من كثرة الرفاهية وإن الحقود تتعب نفسه من أخبار تفوق، أو تميز غيره. وأن بعض منتحلي الصداقة والزمالة والانفتاح مصابون بشيء من هذا أو ذاك الداء. فتفحص ما يدور حولك في بيئة العمل والمجتمع بذكاء.

محص بالقدر المستطاع واستفد من قراءة الأحداث التي تدور من حولك والاتعاظ بتجارب غيرك، فإن الناس ليسوا ملائكة، وأنت لست نبيا. ولكن صاحب الحكمة يُؤْتَى خيرا كثيرا، ويتجنب مشاكل جمة، ويستنطق عِبر متراكمة.

تخلق بأخلاق الله في الرحمة والغفران والعطاء. وتذكر ليس كل من قال لك ”يا ليتنا كنا معك“ أو ”لا عزاء لمن لا يشاركنا الحضور“ قصد ما قال حرفيا، فقد يكون قال الجملة مجاملة لك. فلا تبني قراراتك، ولا تتخذ أخلاءك بناء على مجاملات اجتماعية. فهناك شلل وهناك ”قروبات“ لا يتجاوز حد التعاطي معها عن حدود إمضاء وقت وردم وقت فراغ أو إثراء معرفي معين.

تذكر أن الخليل من صفوتك لا ينتقص مقدارك، ولا يعبث بكرامتك في الحل والترحال ولا في ظهر الغيب أو عالم الشهود. ولا يسمح للآخرين بعمل ما يسيء إليك.

في الأزمان السيئة التي يكثر فيها أهل الشر والجريمة والرذيلة، من القوة أن تتعايش مع فكرة العزلة لكي تكون أكثر حصانة. والعكس صحيح.

حتما لديك أخي القارئ إرشادات عدة إلى جانب ما تم تدوينه بالأعلى لذات الموضوع، وأكتفي بما ذكرت لك هنا. ونظرا لكثرة تعقيدات النفس البشرية سلوكيا، فإن إدارة العلاقات البشرية فن يحتاج الكثير من المهارات «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك…. دعاء». ومع طغيان حب المادة وكثرة تقلب النفوس، وجدت أن من الحكمة أن هناك أموراً تفصيلية أخرى اسكت قلمي عنها عمدا ومحذوفة عمدا لكي تظل رحمة الله الشاملة بين الناس في علاقتهم. وهذا يذكرنا بالآية المذكورة في القرآن الكريم عن تفسير تقدير الجواب المحذوف لكلمة لولا، ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ [النور: آية 10]. وختاما، لنتذكر بأن الأخلاء الأوفياء من الناس الطيبة الصادقة هي بمثابة روح وريحان.