آخر تحديث: 23 / 5 / 2024م - 8:45 م

كن مع الصادقين

المهندس أمير الصالح *

كانوا كالجزر المتناثرة والكل منهم يعيش في عوالمه الخاصة، ويسعى ليل نهار لإشباع غرائز التملك والبروز وتغذية الغرور في نفسه وخلق الوجاهة لشخصه. فكان الأغلب منهم يحتبس المعلومة الجيدة والأخبار النافعة لنفسه، ويشاركها فقط وفقط من أحب من بعض أفراد أسرته وشلته الصغيرة جدا ظنا منه بأن الخالق فقير والخير قليل، ونعوذ بالله وإياكم من هكذا ظن بالله الوهاب الرزاق. وكذلك الأغلب من أولئك اعتاد أن يحجب عن الآخرين كل معلومة فيها خير ونفع، يمكن الاستفادة منها في استكثار الخير للجميع من أفراد المجتمع. وإن شارك بشيء فلا يُشارك إلا بالقدر الذي ينفعه ويصب في مصلحته هو، ويُشبع أنانيته وينفخ أوداجه ويزيد في على أوداج وارتفاع كعبه على أبناء قومه. مع أن لديه من المعلومات النافعة والخطوط الواصلة والاستثمارات الناجحة والكنوز الجمة الشيء الكثير، والتي تنفع كل من هم حوله وأبناء مجتمعه الصالحين. فأحب هو أن يكون نجم كل حفل ومحفل ووسط كل صورة وقلب كل حدث فيه إطراء وإن لم يبادر أو يشارك. فتراه يحب المدح دون العمل، ويكره الثناء على غيره وإن بادر وتألق. فأمات المعروف وإن تظاهر بالدعوة إليه، وأحب التسلط وإن ادعى التنصل منه، واتبع الغرور وظن أنه بذلك يبني وجاهته. ودبت ذات العادة السيئة في أكثر من شخص ممن هم حوله وإن انتحلوا بلسانهم وشكلهم ولباسهم صفات الصالحين شكلا، واصطفوا في الصفوف الأولى في صلاة الجماعة والجمعة، وأكثروا الذهاب للحج والعمرة، ولكن قلوبهم مقفلة. وهم الحاقدون سريرة والمانعون لانتشار الخير إلا باسمهم والناشرين للخوف خبرا والماكرون قولا والمتلونون لسانا. حتى إنه، ذاك البعيد عنا وعنكم، منع وحفز آخرين على عدم ذكر منقبة لأي إنسان مبادر، وإن عُرف عن ذاك المبادر بالصلاح وطيب السريرة وكثرة البذل وحسن السيرة والسعي إلى التجسير في التعارف والتواصل بين الناس جميعا ونشر المعلومة النافعة ومشاركة المصادر لنشر الخير وتجذير المعروف وغرس الوفاء وتكثير اجتماع الطيبين فيما بين الناس الأخيار.

انطوت السنون وتلتها سنون، فكان يولد نجم خير عابر، ويخطف المرض أو الموت أو المشيب نجم خير آخر دونما حراك مستمر حقيقي مغير من السيء للحسن، أو من الحسن للأحسن في وسط ذلك المجتمع / الحي / الفريج. فعرف المطلعون المتصفون غير المنحازون أن الصخرة الكأداء في طريقهم نحو انتشار الخير والبركة هي السريرة السيئة الخبيثة التي ترعى في أنفس بعض من حولهم. فكان حقا على كل إنسان صادق أن يُنصف الآخرين من نفسه، ويقر بالحق لأهله، ويحب أهل المبادرات الفاعلة، ويجالس أهل المعروف وإن قل عددهم، ويكثر البذل لإنجاح الجميل من مشاريعهم وإن أنكر الجاحدون وبخس أثمانهم السافلون، واحتقنت أنفس الحاقدين … وهذا مصداق للآية القرآنية الكريمة.

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد: آية 11]

نحن وإياكم مدعويون إلى:

﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران: آية 104]

وأيضا مدعويين إلى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا... وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج: آية 77]