آخر تحديث: 14 / 7 / 2024م - 1:08 م

إرادة من رحم المتاعب

نحتاج بشكل مستمر إلى جلسة هادئة نخلو فيها بأنفسنا ونتفكر في كثير مما يصدر منا من سلوكيات وتصرفات، وكذلك نتدبر فيما يواجهنا من ظروف صعبة وأزمات تعصف بنا لمعرفة كيفية معالجتها بالحلول الممكنة والتكيف مع ما يصعب حلحلته، وفي غير هذا الطريق لن نجد متسعا من الحلول بل هي دائرة تيه وإضرار بأنفسنا لما يلحقنا من أذى التفكير السلبي واجترار الآلام والهواجس من المستقبل المجهول، فإما أن نجعل دائرة التحكم في تصرفاتنا واتخاذ القرارات مرجعيتها العقل الواعي والمتدبر في العواقب والنتائج المترتبة، فيجنبنا الكثير من الخسارات والمطبات التي نقع فيها جراء التهور أو الغفلة بما يحيط بنا، وإما أن نغفل عن ذلك فنكون تحت سيطرة أهوائنا وعواطفنا وأحلامنا الوردية والتي لا تبنى على قواعد سليمة بل هي مجرد تخيلات وهمية واندفاعات في ميدان الحياة - على وعورته وصعوبته - دون التفات لما يصيبنا، بل تركيزنا يكون على التصور الأولي المتكون من ردة فعل سريعة نستجيب لها ونتحرك من خلالها، فعلينا أن نعيد حساباتنا بشكل دقيق حتى نكون على مستوى المسئولية والاستحقاقات أمام الصعوبات والتحديات والأزمات ومواجهتها بشكل جذري مدروس، ولن يوقف نزيف الخسائر جراء البكاء على الماضي والسقطات والصدمات سوى سلاح الصبر الجميل، وهذا الحل لا يغفل عن حقيقة تكون الإنسان في جزئية منه من الأحاسيس المتأثرة بما يجري حولنا، فمن غير المعقول أن يطالب الكائن الحساس أن يكبت مشاعره تجاه عثرة في دراسته أو فقدان عمله أو مواجهة مشكلة أسرية تؤرقه، فيطالب بأن يتجاوزها بسهولة وكأن شيئا لم يحدث ويتعامل مع الحاضر دون أن يكون لها موضع من تفكيره ووجدانه، فهل يمكن للإنسان المبتلى بإحدى المصائب والمحن أن يتجاوز مشاعره وفكره المشتت وإرادته المصابة بالهشاشة بسهولة، من خلال ما ذكرناه من دواء لكل الصعوبات ألا وهو التحمل؟!

لنرجع إلى شيء من أثر السيرة النبوية وبالتحديد موقف الرسول الأكرم ﷺ لما أثكل بفراق ابنه إبراهيم ، حيث سئل عن تناثر دموعه وحزنه على فراقه وكأنه ارتسم في ذهن السائل أن الحزن والبكاء على فقد العزيز والأحبة هو بخلاف الرضا والتسليم بقضاء الله عز وجل، ورد عن الإمام الصادق : لما مات إبراهيم هملت عينا رسول الله ﷺ بالدموع، ثم قال ﷺ: تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون» «الكافي ج 3 ص 262».

لقد أفصح أفضل الخلق ﷺ عن حكمة وسنة إلهية تصيب العباد وتجري عليهم دون استثناء ألا وهي فراق الأهل والأحباب، والتأثر الوجداني لذلك حق وحتى الأنبياء العظام نشترك معهم في ذلك، ولكن المذموم هو الاعتراض على القضاء الإلهي وظهور ما يدل على ذلك من الألفاظ والأفعال، وهذا الامتحان الإلهي هو صهر للنفوس ليظهر منها المعدن الثمين كالذهب، فهناك من تسمع منه جوقة كلام حول التحمل وعدم التأثر السلبي بالأحداث والأخبار المؤلمة، بينما تجده منهار القوى وقعيد الأرض ما إن تداهمه الأيام بشيء من مصائبها ومتاعبها، فالمواقف هي الكاشفة لتباين المعادن والصانعة للشخصيات فتظهر الاستعدادات والإمكانيات المودعة عند الإنسان وآليات تربية نفسه واستعدادها لتقبل المفاجأة وتجاوزها، فالأوقات والمحطات الصعبة والمؤلمة تصيب الإنسان بالصدمة وهول المفاجأة، ولا يسعفه في تجاوزها بصحة نفسية وعاطفية سليمة ويعيد له توازنه سوى الصبر وتجرع الآلام، فضبط النفس وهدوء الأعصاب والتحلي بالحكمة هي حصاد تربية مستمرة للنفس أمام الفجائع والأزمات، فمواجهة التحديات ومراحل الإخفاق والمشاكل المتعددة في حياتنا وعلاقاتنا يحتاج إلى روح التحمل وتعقل الأمور، وهو ما يتوقف على إرادة قوية تجد في المحن والمصائب محطات اختبار لها، حينها يكون الإنسان على مستوى المسئولية في تحقيق أهدافه وطموحاته والدفاع عنها بالصبر.

ورد عن الإمام الباقر في قوله تعالى: ﴿وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا [الإنسان الآية 12]، قال: بما صبروا على الفقر ومصائب الدنيا» «بحار الأنوار ج 75 ص 1 186».