آخر تحديث: 23 / 5 / 2024م - 11:52 ص

ماذا قدمت الزهراء (ع) لزوجها أمير المؤمنين (ع)

زاهر العبدالله *

ونحن نعيش الأيام الفاطمية علينا أن نقتبس من حياة الزهراء شموعاً تُضيء لنا الدروب ونقطف من بستانها زهوراً نشتم عبقها في كل حين.

لو استعرضنا التاريخ من أبينا آدم وأمنا حواء عليهما السلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها لنبحث عن بيت تجسدت فيه كل معاني الحب والوئام وعن أسرة تكاملت بالفضائل والتراحم وعن زوجين هما مصداقا لقوله تعالى «.. لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة» فلن نجد مصداقا لذلك غير بيت فاطمة وأسرة فاطمة وعلي وفاطمة .

فماذا أعطت فاطمة لعلي؟ وماذا أعطى علي لفاطمة؟ ليجعلوا من بيتهما جنة الله في الأرض وهما في البشرية كسائر البشر قاسا شظف العيش وكابدا المحن والأزمات.

هنا سنفتح نافذة خاصة عائلية وهو دور الزهراء عليها في بيتها وأثرها البالغ في مسيرة زوجها المبارك وكيف تشاطر المسؤولية في كمال هذا البيت المبارك

وسنقسم الجواب إلى عدة وجوه لنحيط بشيء من حياة الزهراء الأسرية والجهادية الإيمانية التي أساسها حسن التبعل لزوجها أي الزوجة المثالية الكاملة التي تعرف تكاليفها الشرعية والمستحبة للحفاظ على هذا العهد المقدس الذي خطه ملك عظيم فخاطبه رسول الله ﷺ حبيبي جبرئيل، لم أرك في مثل هذه الصورة؟ فقال الملك:

لست بجبرئيل، أنا محمود، بعثني الله عز وجل أن أزوج النور من النور. [1] 

والمقصود من النور هنا أمير المؤمنين علي وسيدة النساء الزهراء عليهما السلام.

وقد أشار الإمام الكاظم : جهاد المرأة حسن التبعل. ولو سألت ماهو حسن التبعل يوضح ذلك مولانا الباقر حيث يقول: أيما امرأة خدمت زوجها سبعة أيام أغلق الله عنها سبعة أبواب النار وفتح لها ثمانية أبواب الجنة تدخل من أيها شاءت [2] 

من هذا الحديث نقسم جهاد وحسن وإيمان الزهراء وتكاملها مع زوجها أمير المؤمنين علي لعدة مراحل:

1 - قبولها المهر القليل والبيت البسيط مقابل الرجل العظيم والمقام الرفيع المتمثل في مولانا أمير المؤمنين .

وإلا مثل الزهراء بنت خاتم الأنبياء والمرسلين أشبه ببنت الملك بالقانون الدنيوي يفترض أن تطلب متاع الدنيا وزخرفها ولكن الزهراء لم تعر للدنيا أي ذرة اهتمام بل نظرت إلى جوهر الإيمان فالزوج الذي ستأخذه ماهو مقامه الرفيع عند ربه وصدقه ووفاؤه وعفافه وزهده وتقواه فاختارت الصفقة المربحة وهي رضوان الله سبحانه وتعالى بأجلى صورها. وكذلك أمير المؤمنين علي اختار وصية رسول الله ﷺ حينما قال: فاظفر بذات الدين تربت يداك.

فنعم التجارة مع الله سبحانه وتعالى.

2 - الزهراء تملك من الفقه والعلم ما تعرف حقوق الزوجية بدقة وتشخصها بدقة ورغم ذلك فعلت المستحبات الزوجية وجعلتها كالواجبات وجسدتها في خدمتها المتفانية في بيتها من طبخ وخبز ونفخ النار تحت القدر وغسل وكسح وسقاية وعناية بأطفالها فكانت ربة منزل في أعلى وأرقى منازل الكمال والجلال وشاركها أمير المؤمنين علي هذا الكمال والوفاء والتضحية والإباء.

وكما وصفها زوجها أمير المؤمنين فعن أبي الورد بن ثمامة عن أمير المؤمنين علي أنه قال لرجل من بنى سعد: ألا أحدثك عني وعن فاطمة أنها كانت عندي - وكانت من أحب أهله إليه - وأنها استقت بالقربة حتى أثر في صدرها وطحنت بالرحى حتى مجلت يدها وكسحت البيت حتى اغبرت ثيابها وأوقدت النار تحت القدر حتى دكنت ثيابها فأصابها من ذلك ضرر شديد.. [3] 

دقق النظر أخي الكريم وأختي الكريمة سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين وسيدة نساء أهل الجنة ومن يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها ومن دعوتها مستجابة عاشت قمة التواضع لله سبحانه في شرف الخدمة لزوجها المبارك وأولادها المعصومين وهنا تقف كل الكلمات عاجزة أمام هذه القديسة الصديقة وما فعلت ابتغاء مرضاة الله سبحانه وحباً في زوجها وخدمةً لأولادها.

تنبيه هام جدا جداً: وهنا درس لكل أخواتنا الكرام أين هذه الصفحة المشرقة من حياتكن مع أزواجكن. أرجو أن لا يخدعكن الشيطان ويقول لكن هذا الزهراء من يصل لمقامها نقول لكن اجعلنها نوراً يُستضاء به وقدوة يُحتذى بها فلا عذر لكنّ بعد ذلك.

3 - أعانت زوجها على طاعة ربه وتلبية لندائه وامتثالاً لنبيه الكريم محمد ﷺ على. فكانت تحثه على الجهاد في سبيل الله وقضاء حوائج الناس على حساب نفسها وصبرها الشديد. مقابل تكامل أرواح أسرتها وعلو مكانتهم عند الله سبحانه فكانت تطبب أباها وزوجها إذا جاؤوا من الحروب بل تحضر المعركة معهم لتباشر تضميد جراحهم ومسح التراب عن وجوههم وكانت تعلم أولادها التضحية والإباء وصلابة الإيمان والوعي التام بنوائب الدهر والتعامل معها بصبر وشجاعة وقوة يقين وثبات على الحق المتمثل في أبيها وبعلها وبنيها.

4 - رفعت راية التوحيد ولواء الإمامة وذلك بدفاعها المستميت بوعي وبصيرة فبينت معالم التوحيد وتجليتها في صلاح الناس وهدايتهم من ظلمات الجهل إلى نور العلم والمعرفة وبيان أثر النبوة في توضيح هذه التجليات الذي تمثلها رسول الله ﷺ فكان خلقه القرآن الكريم ثم بيان من يحافظ على هذا المشروع الإلهي والمتمثل في الإمامة والتي جسدها أمير المؤمنين علي وما بعده من المعصومين الطاهرين ثم أشارت إلى علل بعض الأحكام في صلاح النفس وتزكيتها فرسمت الزهراء منهجاً متكاملاً لمن يريد أن يركب سلم الكمال ويبتعد عن مهالك الهوى والشيطان تجد هذا المعنى متجلياً في خطبتها الفدكية التي ينبغي أن تدرس بعناية وتعمل فيها دراسات إسلامية في التوحيد والنبوة والإمامة والميعاد وعلل الأحكام والتولي لأهل الحق والتبري من أعداء الحق.

5 - نهاية المطاف في آخر لحظات الألم والجهاد وحسن التبعل في بيت زوجها المبارك تتلمس تقصيرها في حق زوجها فتقول لأمير المؤمنين علي كما ورد في الرواية حينما جاء سيد الوصيين علي لعيادة زوجته المقدسة

قال لها أمير المؤمنين علي : أوصيني بما أحببت يا بنت رسول الله! فجلس عند رأسها وأخرج من كان في البيت ثم قالت: يا ابن عم ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ولا خالفتك منذ عاشرتني فقال : معاذ الله أنت أعلم بالله وأبر وأتقى وأكرم وأشد خوفا من الله [من] أن أوبخك بمخالفتي قد عز علي مفارقتك وتفقدك، إلا أنه أمر لابد منه، والله جددت علي مصيبة رسول الله ﷺ وقد عظمت وفاتك وفقدك، فإنا لله وإنا إليه راجعون من مصيبة ما أفجعها وآلمها وأمضها وأحزنها هذه والله مصيبة لا عزاء لها، ورزية لا خلف لها. [4] 

الخلاصة

أي دورس نتعلمها من فخر المخدرات وسيدة النساء وبعلها أمير المؤمنين عليهما السلام في بناء بيت أمان واستقرار وسكن فجسدوا كليهما قول الله تعالى ﴿وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ «21» الروم.

فكانت الزهراء نعم السكن ونعم الرحمة والمحبة والمودة والتكامل وكذلك أمير المؤمنين علي فكلا الزوجين الطاهرين ساهما في بناء أجيال صالحين يكونون مشاعل نور وهداية لمن حولهم.

فيكون جواب سؤال ماذا قدمت الزهراء لأمير المؤمنين علي ؟

أنها قدمت النموذج الأكمل للزوجة الصالحة والأم الرحيمة والتربية الكريمة والتضحية العظيمة. وقدم أمير المؤمنين علي النموذج الأكمل للزوج الكريم والأب الحاني والمسؤول المتفاني في خدمة أسرته، فكانا نموذجين وجب علينا الاقتداء بهما ونبراساً نهتدي بنورهما وحياة لقلوبنا لنخرج من ظلمات الجهل إلى نور العلم.

والحمد لله رب العالمين أعتذر لله سبحانه على قلة حيلتي في النظر على صفحاتهم المشرقة بنور الله سبحانه وتعالى وأستغفر الله العظيم وأتوب إليه.

 


[1]  الأمالي - الشيخ الصدوق - الصفحة 689.

[2]  ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج 2 - الصفحة 1186.

[3]  علل الشرائع - الشيخ الصدوق - ج 2 - الصفحة 366.

[4]  بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 43 - الصفحة 191.