آخر تحديث: 14 / 7 / 2024م - 1:08 م

أغلى المهور ‎

السيد فاضل علوي آل درويش

إن السبيل المفضي إلى منتهى رغبات وآمال المؤمن والمنيل رضوان الله تعالى المتمثل بجنان الخلد هو نزاهة النفس ووقايتها من التلوث بآثار الشهوات والأهواء المتفلتة، فإن النفس كالفرس الجامحة ترمي براكبها في أي اتجاه وتصيبه بالآلام والرضوض، أما لو طوعها وعمل على تدريبها حتى تصبح هينة وطيعة لما يوجهها من أوامر بالتوقف أو الانطلاق فركوبها سيكون سهلا وسليما، وكذلك هي النفس إذا انطلقت في ميادين الحياة والعلاقات الاجتماعية دون تهذيب وتربية ستعقر كل من يصادفها وستطال كل شيء تبتغيه دون وجود وازع ورادع عما يحرم وما لا يجوز فعله من الرذائل والمحرمات، فالنفس أودع فيها الله عز وجل مجموعة من الغرائز التي يتحرك من أجل إشباعها، ولكن الدين الحنيف جعل لها ضوابط من خلالها يحافظ الإنسان على سيره التكاملي على المستوى العقلي والسلوكي.

وجهاد النفس يعني وجود الضمير الحي المراقب لما يصدر من صاحبه من كلام أو تصرفات، فيضعها في نطاق القيم والمبادئ التربوية والأخلاقية التي يحملها ويتحرك من خلالها، فمتى ما استشعرت النفس اليقظة وجود كلمة أو تصرف مجانب للصواب وغير لائق توقفت عن صدوره، فالمخالفات الشرعية والآثام لها رونقها المزين والجاذب للنفس لارتكابه ومقارفته، والعلامة الفارقة من التحرز من الوقوع في الخطيئة عن سرعة الاستجابة والمضي فيها هو ما يحمله المرء من عقل واع ونفس حذرة، فيتنبه لعواقب ما يقدم عليه والآثار المترتبة عليه، فمن استحضر الوقوف بين يدي الله تعالى في يوم القيامة للعرض والحساب والعقاب تراجع لخطوات وخطوات، على مستوى علاقته بالله تعالى وأداء الواجبات وتجنب الموبقات، أو على مستوى علاقاته الأسرية والاجتماعية فلا يخرج عن اتزانه النفسي والسلوكي إذا واجه إساءة أو استفزازا، وإن غلبت عليه شقوته وقارب المعصية في ساعة غفلة سارع إلى تنظيف قلبه وجوارحه من آثار المعصية، من خلال التوبة النصوح وعقد العزم على ترك ذلك في المستقبل.

وإذا تساءلنا عن الغاية من وجودنا في هذه الحياة الدنيا لأجل مسمى، ثم نرحل عنها إلى الحياة الأخروية الأبدية، لعلمنا أنه الوصول إلى أعلى درجات إثبات الوجود الحقيقي وتحقيق المكانة العالية ”السمو والتكامل“، والسبيل إلى تحقيق هذا الهدف هو العبادة الواعية بما تحمله من مضامين أخلاقية وتربوية عالية ترتقي بالإنسان إلى أعلى الدرجات في ميدان الفضيلة، وتلك الكمالات الأخلاقية تحمل كل معاني الجمال والرقي في شخصياتنا كالصدق والبحث عن الحقيقة والأمانة والتواضع وغيرها من الصفات الحميدة، ومن جهة أخرى، فإن جهاد النفس يتمثل في التخلي عن الرذائل والآفات كالتكبر والأنانية والبخل وغيرها، وعملية تنزيه النفس وتطهيرها من العفن والخلق الآسن السيء عملية تدريبية مستمرة، تصونها النفس الحذرة والضمير اليقظ الملتفت إلى تلك المغريات والمزينات من الأفعال المشينة ”المعاصي والسلوكيات الخاطئة“ فلا يقع فيها.

وما هي الجائزة الثمينة والمشجعة للإنسان ليسلك طريق الوعي والاستقامة واليقظة، فيبقى متدرجا في مسالك التكامل والرقي ونزاهة النفس من الرذائل الأخلاقية؟

إنها جنان الخلد التي فيها ما تشتهي الأنفس، وتقر العيون في حياة خالدة تخلو من كل الآلام والمنغصات والهموم، ”مهر الجنة“ وفي صورة تقريبية تكشف الوقائع والحقائق بلا أدنى غفلة أو جهالة، نرى هذه الصورة التشبيهية لمسلك الإنسان إلى طريق الجنة وما يحمله من صداق يمهرها به، إنه نفسه المهذبة والمزكاة من عبث الشيطان وتسويلاته وأهواء النفس الجامحة والأمارة بالسوء، إنه يخوض معركة حقيقية قاسية لا هوادة فيها ولا انقطاع، ويقف أمام أعداء في جبهات متعددة ”الشيطان - النفس الأمارة بالسوء - الشهوات“، وبقدر استعداده ونباهته التي تمثل أسلحته في وجه أعدائه سيحقق الانتصار الحقيقي على شهوان النفس والرذائل الأخلاقية، فيتحرر من قيود الأنانية وشح النفس والرضوخ لحب المال ومظاهر الدنيا بلا قيود.

ورد عن أمير المؤمنين : جهاد النفس مهر الجنة ”“ غرر الحكم: 4577".