آخر تحديث: 21 / 7 / 2024م - 6:06 م

«طرفة بن الوردة»: استعادة الصورة سيرة وشعرا

محمد الحرز * صحيفة اليوم

- في عمله أو سفره الكبير «طرفة بن الوردة» يعيد الشاعر قاسم حداد تشكيل صورة الشاعر طرفة بن العبد من جديد، إذ ينتزعها من تراثها الأسطوري الذي تراكمت مروياته وتشعبت منذ العصر الذي عاشه الشاعر منتصف القرن السادس الميلادي، وهي مهمة ليست من السهولة بمكان، إذا ما أدركنا حجم الاضطراب والالتباس الذي يدور حول سيرة طرفة الاجتماعية والشعرية في الكتب التراثية، ويكفي أن أشير إلى بعض الأخبار والأقوال المهمة عند كبار أدباء التراث العربي، فمثلا هذا أبو العلاء المعري وقف في رسالة الغفران أمام الأقاويل حول طرفة موقف المتردد الحيران فجعل ابن القارح يُخاطب طرفة قائلا «ولقد كثرت في أمرك أقاويل الناس: فمنهم من يزعم أنك في ملك النعمان اعتقلت، وقال قوم: بل الذي فعل به ما فعل عمرو بن هند «. بينما الشريف المرتضى في أماليه يذهب به الظن أن قاتل طرفة قد يكون النعمان بن المنذر، فقد أورد قولاً للفرزدق يذكر فيه الشعراء الذين أورثوه أشعارهم:

وهب القصائد لي النوابغ إذ مضوا... وأبو يزيد وذو القروح وجرول

وأخو بني قيس وهنّ قتلنه... ومهلهل الشعراء ذاك الأول

والمقصود هنا «أخو بني قيس» هو طرفة وإشارة «وهن قتلنه» يفترض عمرو بن هند الذي قتله كما تورد بعض الروايات، لكن المرتضى يرجح أنه النعمان بن المنذر بدليل قول طرفة: أبا منذر كانت غروراً صحيفتي ولم أعطكم بالطوع مالي ولا عرضي. ومعروف أن أبا منذر هو النعمان بن المنذر الذي حكم بعد عمرو بن هند.

- ويبدو أن كل الروايات التي دارت حول مقتله فيها شك كثير، والأقرب كما يؤكد أغلب الباحثين المعاصرين هو أن عمرو بن هند حبسه ثم قتله كما حبس النعمان بن المنذر عدي بن زيد العبادي ثم قتله وهو تقليد ملوك المناذرة في الحيرة، وإن هذا الاضطراب الذي رأيناه في الأخبار الواردة هو جزء من سيرته التي تتعلق بموته، ناهيك عن الأخبار الواردة عن تراثه الشعري، فالجاحظ على سبيل المثال يقول في البيان والتبيين «ومن الشعراء من يُحكم القريض ولا يحسن من الرجز شيئا ففي الجاهلية منهم زهير والنابغة والأعشى، وأما من يجمعهما فامرؤ القيس وله شيء من الرجز وطرفة وله كمثل ذلك ولبيد وقد أكثر» وهذا دليل على ضياع الكثير من شعر طرفة لأننا لو تصفحنا ديوانه بروايتيه البصرية والكوفية، ما وجدنا له قصيدة واحدة أو مقطّعة من بحر الرجز، وهذا ما حدا بسلام الجمحي في طبقاته أن يتساءل عن قلة أشعار طرفة المروية، وعلى قلتها فإن سمعته ومكانته المتقدمة تتنافى وما يروى عنه؟!.

- وهذا قيض من فيض إذا ما استمرينا بتصفح كتب التراث وموقف الباحثين المعاصرين منها حول تاريخ طرفة، وأقول هذا الكلام لأبين المشروع الذي خاضه الشاعر قاسم حداد لأجل أن يعيد سيرة طرفة شعرياً من جهة واجتماعياً وتاريخياً من جهة أخرى، أما استعادته شعرياً فقد أيقض قاسمُ صوتَ طرفة من خلال أشعاره وسيرته وأيقض معه أصوات منَ حوله وأدخلهما في حوار شعري يرتكز على تعدد مستوى الأصوات وفق مجرى الأحداث وحسب وجهة نظر قاسم وموقفه منها.

- فمثلاً حين يستحضر شخصية وردة أم طرفة ويعطيها مساحة للحديث عن حدث مولد طرفة فإنه يعطي مؤشراً عن مكانةِ وردة في حياته وأثرها الكبير الذي سيشير إليه لا حقا عن دفعه للتعلم الكتابة والقراءة في الحيرة، لذلك نسبه إلى أمه وقال طرفة بن الوردة وليس لأبيه الذي فارقه صغيرا بعد مقتله.

هكذا يستمر قاسم في استحضار الأصوات ويستنطقها على امتداد عمله كي يضع أمامنا طرفة آخر غير ما هو متداول تاريخياً وشعرياً، وكأن قاسم يستعيد روح الشاعر فيه وينتصر له.