آخر تحديث: 23 / 7 / 2024م - 5:18 م

الجدل

يختلف تعريف الجدل عند كثير من المتكلمين فالبعض عرفه على أنه المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة الصراع وإسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة، وهي الأرض الصلبة. في حين أن البعض قال اللدد في الخصومة والقدرة عليها، وجادله أي: خاصمه، مجادلة وجدالًا. والجدل: مقابلة الحجة بالحجة؛ والمجادلة: المناظرة والمخاصمة، والجدالُ: الخصومة؛ سمي بذلك لشدته ولا يقف المجادل النير والحاذق إلا على الدليل القائم على البرهان القطعي لا وجهة نظر شخصية، لذلك الجدال ممدوح خلاف المراء المذموم.

لأنه المراء هو مخاصمة في الحقِّ بعد ظهوره، ولا يكون المراء إلا اعتراضًا، بخلاف الجدال، فإنَّه يكون ابتداء واعتراضًا.

الفرق بين الجدل والمناظرة والمحاورة: الجدل يُراد منه إلزام الخصم ومغالبته. أما المُنَاظَرَة: فهي تردد الكلام بين شخصين، يقصد كل واحد منهما تصحيح قوله، وإبطال قول صاحبه، مع رغبة كلٍّ منهما في ظهور الحق. والمُحَاوَرَة: هي المراجعة في الكلام، ومنه التحاور أي التجاوب، وهي ضرب من الأدب الرفيع،

ومن أصعب مراتب الجدال هو أن المجادل ينكر ما يجهل لأنه لا يستطيع أن يدرك الحقائق الواقعية أما من قلة لياقته الفكرية أو قصور في أدوات التحليل المنطقي وأيضا هناك الكثير من المجهولات التي أصبحت اليوم معلومة، لذلك فالذي لا يعلم ينكر ولا يقول لا أعلم فيما يقوله أهل المعرفة والعلم بأنه ضرب من الخيال أو نسيج من الأوهام.

فإن الجدال والمراء أكثر ما يستخدمان في القضايا العلمية، في حين تستخدم المخاصمة في الأمور والمعاملات الدنيوية.

ويحدد بعضهم الاختلاف بين الجدال والمراء في أن هدف المراء هو إظهار الفضل والكمال، في حين أن الجدال يستهدف تعجيز وتحقير الطرف المقابل. وفي كل الأحوال يتبين أن البحث والكلام والاستدلال والمناقشة لأقوال الآخرين، إذا كان لإحقاق الحق وإبانة الطريق وإرشاد لجاهل، فهو عمل مطلوب يستحق التقدير، وقد يندرج أحيانا في الواجبات.

فالقرآن لم يعارض أبدا البحث والنقاش الاستدلالي والموضوعي الذي يستهدف إظهار الحق، بل حث ذلك في العديد من الآيات القرآنية.

في المواقف التي كانت تتطلب إظهار البرهان والدليل، ذكر القرآن أدلة مختلفة، كما نقرأ ذلك في آخر سورة ”يس“ حين جاء ذلك الرجل إلى رسول الله ﷺ وهو يمسك بيده عظما فقال له سائلا: من يحيي العظام وهي رميم «2» فذكر القرآن عددا من الأدلة على لسان الرسول الأكرم في المعاد وقدرة الخالق على إحياء الموتى.

وفي القرآن نماذج أخرى واضحة على الجدال الإيجابي، كما في الآية «258» من سورة البقرة، التي تعكس كلام إبراهيم وأدلته القاطعة أمام نمرود. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ .

وكذلك نجد القرآن ملئ بالأدلة المختلفة التي أقامها رسول الله ﷺ ومن جهة أخرى يذكر القرآن الكريم نماذج أخرى من مجادلات أهل الباطل لإثبات دعاواهم الباطلة من خلال استخدام السفسطات الكلامية والحجج الواهية لأبطال الحق وغواية عوام الناس.

إن السخرية والاستهزاء والافتراء والإنكار الذي لا يقوم على دليل، هي مجموعة من الأساليب التي يعتمدها الجهال الضالون، أما الاستدلال الممزوج بالعاطفة والحب والرأفة بالناس فهو أسلوب الأنبياء، رسل السماء إلى الأرض.

أما الجدال السلبي ما أن يكون النقاش والجدل بين الطرفين بهدف التفاخر واستعراض القوة، وفرض الرأي على الطرف الثاني عن طريق إثارة الضجة، فإن عاقبة هذا الأمر لا تكون سوى الابتعاد عن الحق وعشعشة الظلمة في القلوب وتجذر العداء والحقد لا غير.

ولهذا السبب نهت الروايات والأحاديث الإسلامية عن المراء والجدال الباطل، وفي هذه المرويات إشارات كبيرة المعنى إلى الآثار السيئة لهذا النوع من الجدال.

ففي حديث عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب نقرأ قوله : ”من ضن بعرضه فليدع المراء“ «1». لأن في هذا النوع من النقاش سوف ينحدر بالكلام تدريجيا ليصل إلى مناحي الاستهانة وعدم الاحترام وتبادل الكلام المبتذل القبيح، وترامي الاتهامات الباطلة.

يعتبر الجدل جزءًا هامًا من عملية التفكير النقدي وتطوير الأفكار. فهو يساعد في تحليل الأفكار واختبار صحتها وقوتها، ويمكن أن يؤدي إلى توسيع الفهم وتعزيز المعرفة. كما يمكن أن يساهم الجدل في تعزيز التفاهم بين الأفراد والبناء نحو حلول مشتركة أو وسطية.

مع ذلك، يجب أن يتم الجدل بطريقة محترمة ومهذبة، مع احترام وجهات نظر الآخرين والاستماع إليها بعناية. يجب أن يتم التعامل مع الجدل كفرصة للتعلم والتواصل الفعال، بدلاً من منصة للتحامل الشخصي أو الانقسامات العميقة.

الجدل يمكن أن يكون طريقة فعالة لاستكشاف وتبادل وجهات النظر المختلفة حول قضايا هامة. من خلال الجدل، يمكن للأفراد أن يتعلموا من بعضهم البعض، ويفتحوا آفاقاً جديدة، ويحللوا الأفكار بشكل أعمق.