آخر تحديث: 15 / 4 / 2024م - 10:37 م

أنسنة المهارات.. بين التطوير والتأخير.. حَدثٌ وحَديثٌ ”60“

عبد الله أمان

يَتبادَر إلى ناصِيةِ حُضُور بُؤرةِ الذّهن المُتدبّر المُتأمّل، بأنّ لفظةَ ”مَهَارَة“ تعنَي ببساطةِ حُروفِها الخُماسِية الأنِيقة: اكتِسابَ حَركاتٍ وتَدابيرَ حَركيةٍ أَدائيةٍ؛ بِنائيةٍ المَورد، ومَهارية المسعَى، تُشارك في سّكّ مُتعةِ إخراجِها المُتقن عَادةً ”فَزعةُ“ ونَخوةُ، وحَذاقةُ الحَواس المُتآزِرة، بمعيّة استِخدام نصلِ الأداةِ أَو الآلةِ المُناسبةِ الدّقيقةِ، المُواكبةِ لِطبيعةِ مُتطلّباتِ العصرِ؛ ويُمكن أنْ يَرَاهَا، ويُكْبِرُها، ويُقَيّمُهَا شخصُ الشاهدِ العِيان، أثناء لَحظة الاستمتاع الآسِر، لِسكّ فَنيات الأداء العارِف القائم؛ لاستِتمام واستِكمال اللّمسات المَرحلِية، ”لإنشاء وانتشاء“ مِظلّة ذلك الإنجاز المُميّز، في جَوفِ مُغلّفِ ”كَبسولةٍ“ مُعَدّةٍ، في هَيأتها النّهائية المُتقنة…! وهُناك صَفٌ مِن قَطيفِ الكَثيرِ والمُثيرِ، مِن قائمة الإنجازات المَقضِيّة في مُفترقِ لَحظاتِ ومَحطاتِ حَياتِنا اليومية، مِن زخم سَيلِ الخَدَمات المُقدّمة لَنا، مِن مَخزونِ ومَكنونِ رَيع صيد تلك المهارات المُستوطِنة الداجِنة، بٍدءًا مِن الأعمال المِكانيكية، وانتهاءً بمِثلها مِن واقِع المُتطلّباتِ الإلكترونيةِ، التي رُتَّبَت وأُنجِزت مِن بَراعة أنامِل ذَوي الكفاءات المِهنية، وأصحاب المهارات الفنية المَهرة، الذين نُهرولُ إليهم، ونَهرعُ إلى ناضجِ خِبراتهم؛ لمدّ يَدَ العَونِ، وبَسطِ مَددِ المُساعَدةِ؛ لإنجازِ وتَحقِيقِ مَا نبتغِيه، مِن أَداء أعمالٍ، أو قَضاءِ وإِتمامِ أمورٍ مُهامٍ شخصيةٍ نفعيةٍ، بعَينِها…!

وكَثيرًا مَا يُذهلُني، ويَستوقفُني، بتأمّلٍ وتفكّرٍ، مَخزون رَصيد ألقِ المَواقفِ الأدائيةِ والمَهاريةِ، مُنذ زمنِ الطفولة، وأنا أتجوّل بحُريةٍ طَلقةٍ، في - طَول وعَرض - رُبوع قريتي الجميلة؛ حتى صِرت أتتبّعها، مُستشرِفًا والِهًا، حَذوَ القُذّةِ بالقُذّةِ. ولَا أبالغ، أو أُزايد، فقد أصبح سَائغُ شَغفِها النابض رَبيعَ دَيدنٍ مُمتعٍ؛ ووَليدُ أُنسٍ مُستحسنٍ، أُكبِرُه واُجِلُّه، كلّما لفتَت انتباهي درجةُ ذلك الإتقان الماثِل، التي نسجَت سَبائك فنّه؛ وحرّكَت شَكائم إبداعِه؛ وأخرجته مَزهوًا، على أدِيم القرية، بحُسنِ براعةٍ، وتَمامِ إجادةِ… تلك الجُمعة مِن الأنامِل الذهبية المِعطاء، لدَى صُفُوف الرجال وزُمَر النساء، على حَدٍ سَواءٍ، لَا بُدّ لها مِن فَائق التكريم، ورَائق الاحتفاء، وذُيُوع الأنسَنة ”المُجتمعية“ السخِية؛ لتبقَى دائرة ذِكراها حيّةً نابضةً، في ذاكرةِ الأجيالِ الفَتيّةِ … فَذاك ”مُصَلّح“ جِهاز الراديو، تراه جَالسْا، في زاوية مِن صَدر السّوق، بصبرٍ وأناةٍ، أمام مَنضَدةِ عمله، مُمسكًا بنصلِ ”سَكرُوبِه“ الصّلب، ومِن حَولِه بعض الأسلاك الرفيعة، وأشلاءٍ مُتناثرةٍ مِن أجزاء حُطام الرواديو القديمة، وهُو مُنهمكٌ في الانتقال والضغط المُتتابع - برأس السكروب فوق، وأسفل، وحول ”الترانسسترات“ ونِهايات الأسلاك الدقيقة، بشكل عَشوائيٍّ مُتكرّرٍّ، ذِهابًا وجِيئةً؛ لاكتشاف سَبب العُطل، وإصلاحِه - في حِينه - بلِحامِ سِلكٍ، أو تبديلِ ترانسستور… ولم تكن لديه حِينئدٍ، عُمق المَعرفة، أو تلك البَصيرة التقَنية، والدّراية المِهنية، وفُنون الدّراسة الأكادِيمية الحاذقة؛ إنّما سَاقتهُ الحَماسةُ والجُرأةُ إلى شَغفِ انتهاج فَنيّات حِرفتِه، نزعَتا الفُضُول والتّقصّي، بمَعية مَلَكَة الصّبر الجميل، لساعاتٍ طويلةٍ؛ لإتمامِ وإنجازِ مُهمّة التصليح المُرضِيةِ لذوق الزبُون، بأنّ سَكتةَ جِهازه الثمين آنذاك، قد صَانته واحتضنته أناملَ ذهبيةٍ، مُتطلّعةٍ، إلى كَسبِ أجرِ يَومِها، قبل أنْ يتسلّل إليها خُمولُ الراحة… ومِثل بَراعة وخِفّة تلك الأنامل الماهِرة - عزيزي القارئ - تَجِدها - حَاضرةً مُدجّنةً، عند مُصلّح الساعات المُبدِع، الذي لَا يَملّ، ولَا يَكلّ عَن البحث عن سَببِ توقّف الساعة اليدوية عن العمل، فتراهُ مُحملِقًا بتركيزٍ عَالٍ، في جَوف الساعة؛ وفَحصِ أجزائها الدقيقة؛ وقد وضَع عدسةَ الحلقةِ المُكبّرة، أمام عَينه، وأمسكَها بطريقةٍ ”رُوبوتيةٍ“ بَحتةٍ، بعضلةِ حَاجبهِ، وأسفل جَفنهِ؛ ليَتتبّع ويُطلِق العَنان لأنامِل يَديه، للحركةِ الحرّةِ، بعد عمليةِ التنظيف - ببكرةِ تفريغ الهواء - ناحية العُطل الدّقيق الكامِن في جَوف حَركة دَورانِ التّروس النّشطة المُشغّلة، لدوران حركةِ تذبذُبِ وعَطردَةِ العقاربِ المُتوقّفةِ…! ولَا أكادُ أنسَى - غَفلةً وسَهوًا - تلك المرأة المُسنّة الماهِرة، وقد جلست مُستريحةً مُتربّعةً، على الحصِير، في فِناء دَارِها، وقد واستهلّت استلال وإنزال خُوص النخل المُجفَّف المُرطَّب، وبدأت صَفّة، وتَصفِيفه، واحدةً، واحدةً؛ وثَنيِه، وتَنسِيقِه تِباعًا، بأنامِلها ”الروبوتية“ الفائقة السرعة والبراعة، وإتباعِها بحركاتٍ بَهلوانيةٍ آسِرة؛ لتُنهِي عَملَ قُفّةٍ أنيقةٍ؛ أو تختم إكمال بساطِ حَصيرٍ جَميلٍ، مُزيّنٍ مُطرّزٍ، بخُطوطٍ مُتداخلةٍ مُتناسقةٍ، مِن بَديعِ تطعيماتِ الخوصِ المُلوّن؛ لتُبهر عَينَ الناظِر الحاضِر، بجمال تلك التحفة النضِرة؛ وتَخطِف إعجابَه؛ لصفّ فَنيات المُنتجات المهارية اليدوية المُماثلة المُطوّرة…!

هَذا، وفي وَقتِنا الحاضر، تعدّدَت وتنوّعَت مَهارات وخِبرات نَسق الهوايات المُمتِعة والمُسلّية، خاصّة في عصرِ العَولمَةِ، الذي ينحذِبُ إلى بَريقِ مُمارَستِها الفرد الهاوي، داخل مَنزله، وقد أعدّ لذلك العُدّة والعَتَاد؛ للاستفادة مِن فراغ الأيام المُتصرّمة… ورُبّما أتحَف وأنعَم الهاوِي نفسَة؛ وهَيأ سائر مَهاراته اليَدوية والفِكريّة؛ وطَوّرها بالالتحاق بدورةٍ تدريبيةٍ، أو نادٍ مِهني؛ لشغلِ أوقات الفراغ، فيمَا هُو جَديدٌ ومُفيدٌ، مِن مَنظومات مُختلفِ الهِواياتِ المُتعدّدَة، ومَنثورِ مَصفوفات المُمارساتِ المهاريةِ المُحبّبَةِ، خاصةً في فترةِ مَا بَعد سِنّ التقاعُد…! ولَا ضَيرَ، ولَا حَرجَ، في مُمارسةِ هِواياتٍ مِهنيةٍ مُنتجةٍ؛ والاستفادةِ الجادّةِ الواعيةِ مِن انتقال مَسحة أثرِ التدريب المُكتسب المُتمكّن، بمعرفةٍ أكايميةٍ؛ والساحِب بخِبراتٍ عَمليةٍ مَيدانية؛ لجَلبِ العَديدِ والمُفيدِ مِن أجوَاء المُتعة؛ وإبقاء مُختلفِ أجهزةِ الجسمِ؛ وإذكاءِ جَاهِزية الفِكر، في أحسنِ حَالاتها مِن دَيمومةِ العمل، وقوةِ تدفّق النشاط، وأقصَى دَرجات المُرونة، بَدلًا مِن الانزِلاق الخاذِل، في منُحنى ”مَطبّات“ الخُمول؛ والتغَلغُل الخاسِر المُسترخِي في أرائك الكسَل؛ والتّهيؤ المُترصّد لغَزوٍ، وتَمكِينٍ مُرحّبٍ لِهجمةِ مُحتملةٍ لأمراض الشيخُوخة المُتربّصة، لشنّ صَاعقةِ هُجومٍ قادِمٍ، مِن خَلفِ النوافذِ والأبوابِ...!

ولعلّة مِن نَافلةِ القولِ، أنّ مَا قَدحَ وأَشعلَ زِناد بريقِ عُنوان خاطرتي المُتواضعة، هو إفادَة حَفيدتي بأنّها تَستعدّ غدًا، لاختبار شفوي، لمادة اللغة الإنجليزية للمرحلة الابتدائية، في مَهارة الاستماع، وهي أولَى المهارات الأربع الأساسية في تعلّم مَبادئ اللّغة؛ وهي بوابةٌ رئيسةٌ مِن المهارات المُستقبِلَة... وبطُول دِيباجة هذا الطّرح المُتواضع، يظهَر لنا أنّ قَوام ”المهارة“ لَا ينحصِر في حركةِ الأنامل الميكانيكية فحَسب، بل يَشمِل ويَعُم كافّة عُموم ”فَسلجَة“ أعضاء الجسم البشري؛ بل وتَتعدّى هِبةُ مَلكة المهارةِ الملحُوظةِ، إلى أسقفِ الملكاتِ الراقية، وبها تعدّد النواحِي؛ وتتزايَد القدرَات الفكرية النامية: كَمهارةِ تحليل البيانات في علم المُحاسبة؛ ومَهارة التنظير، ورَسْمِ الرّؤى والأبعَاد السياسية، والاستشراف المُستقبلي؛ وفي عِلم الإدارة والاقتصاد، هناك مَهارات رسم الخُطط الإدارية والاقتصَادية، ومِثلها تصمِيم مهارات استشرافِ أنجعِ مَنظوماتها العملية المُستقبلية؛ وفيمَا يَخصّ علم الحاسب الآلي المُتطوّر، فحدّت ولَا حَرج، فهناك الكَثير والمُثير مِن أحدَث تقنية المعلومات المُستجدّة؛ وأيسَر مَنابع التسهيلات المُستحدَثة في صَمِيم آفاق علم الحاسب الآلي، الذي اقتحمَ بقوةٍ ”مسلّحةٍ“ لمُختلف العلوم؛ وزاحمَ سائر الفنون والعلوم؛ ليُثبِتَ وجُودَه أصَالةً؛ ويُعزّزَ جُذورَه اعتبارًا؛ ويُؤطّر أُصولَ حضورِه المَشهود استمرارًا؛ ويُوائم حِراكة الميداني الفعّال انتِشارًا ”أُخطُبوتيًا“ وُصُولًا إلى مَراقِي آفاق، ومَصاعِد تُخوم، ومَسارات توجّهات، وصَقلِ ومُواكبة مَهارات الأَمنِ السّيبرانِي المُعاصِر، دُون تأخيرٍ أو تأجيل…!

والأَهمُّ الأَعمُّ في صُلب الموضُوع ”المَهاري الجّدلي“ هو قُوّةُ ودَيمُومةُ الصّمود المَشهود، في إِبقاءِ، وإثراءِ، وصِيانةِ مَوارد ومَنابع أسمَى مَلكَات ”قَواطِرِ“ المهارات المُكتسبة المُتجدّدَة للعقل البشري، والنابتة في كِيان ذلك الجُرم الوسَيم الأنِيق، المُحتفَى به، في جَوف أغمادِها الآمِنة المُطمَئنّة… فلَا دَمار شَامِل، ولَا حِصار خَاذِل لكَرامةِ، وسَلامةِ، وبَقاءِ حَياةِ إنسانِ كَوكبِنا الأرضِي الزاهِر الباهِر... واللهُ مِن وَراء القَصد!