آخر تحديث: 21 / 7 / 2024م - 7:29 م

النظر إلى صوتك الشعري الخاص

محمد الحرز * صحيفة اليوم

هناك أسئلة تفرض علي بعض الأحيان إعادة النظر مرة تلو الأخرى في تقييم تجربتك الشعرية بحذر تام، ودائما ما أواجه بها، من قبيل: كيف وجدت صوتك الشعري الخاص داخل الحداثة الشعرية خصوصا وأنك منذ البدايات ارتبطت بالتيار السوريالي من خلال رموزه جورج حنين وجويس منصور والشعراء الفرنسيين وكأن هذه الخصوصية لا يمكن الفكاك منها؟!.

- أول ارتباطي بالحداثة الشعرية لم يكن في نسختها التي ارتبطت بالسياب أو البياتي أو بلند الحيدري وغيرهم ضمن» موجة» الحداثيين الستينيين بالعراق، عدا فاضل العزاوي وعبدالقادر الجنابي اللذين قرأت تجربتهما بتمعن وبالخصوص العزاوي في إنتاجه الروائي والشعري، ولم يكن كذلك في نسختها التي ارتبطت بأدونيس وأنسي الحاج والماغوط وجماعة شعر، ولا في نسختها أيضا التي ارتبطت بوجهها السريالي عند أورخان ميسر أو رمسيس يونان أو كامل التلمساني أو جورج حنين الذين لم أطلع على تجاربهم إلّا لاحقا.

- كان نص سعدي يوسف وعباس بيضون هما اللذان دخلت بهما عالم الحداثة على مستوى الكتابة بينما على مستوى التنظير كان روح التمرد والبحث عن الحرية واللغة الجديدة عند أدونيس والتوجه السريالي هما اللذان صنعا تصوري عن الشعر ناهيك عن الترجمة لشعراء مثل سان جان بيرس الذي قام بها أدونيس أو شاعر مثل غليفك الذي ترجمه شوقي عبد الأمير، والقائمة تطول لو حاولت سرد تلك المرجعيات في بداياتها الأولى.. لكن ما انتبهت له لاحقا بخصوص تجربتي أن التجربة في اللغة والبحث عن الغريب في الصور الشعرية، والبحث عن الغرائب للتعبير عنها من خلال هذه الصور سيؤدي إلى العزلة عن الإنسان نفسه وعن الواقع وعن الحياة برمتها، لذلك في لحظة ما من الكتابة كانت لي انعطافة باتجاه ما هو إنساني من العمق دون التخلي عن الوضوح في الفكرة وبساطتها في نفس الوقت كما في ديواني «قصيدة بمجاز واحد».

في ظل هذا الهاجس في البحث عن الفرادة الصوتية في التجربة الشعرية، والذي لم يرتبط بي وحدي على العموم، فالشعراء من جيلي الذين ارتبطت بهم كأصدقاء وهم كثر في ساحتنا الشعرية أغلبهم سيطر هذا الهاجس عليهم، الأمر الذي أفضى على ما أظن إلى أن قصيدتي وغيري من هؤلاء الشعراء لم تكن إحدى الخيارات المطروحة أمام الشعراء الجدد إلا ما ندر للتأثر بأصواتنا من العمق. للأسف لم نصل إلى هذا الحد من التأثير، ولم يتحول جيلي إلى نص أبوي شعري بالمعنى الذي نصل به إلى ما يسميه هارولد بلوم «قلق التأثر»، وعلى المستوى الطبيعي هناك من تأثر وخطى لكتابة نص شعري جديد، لكن لا زال نص الثبيتي على سبيل المثال نصاً مهيمنا بوصفه نصا حداثياً، لكن تكريس نسخه باعتبارها تجديداً وحداثة هذا وهم كبير، يضاف إلى ذلك، ثمة عودة إلى ما يسمى بالقصيدة العمودية الجديدة، وهذه العودة مقرونة بشعراء شباب من الجيل الحالي الذين في غالبيتهم لا يرون الشعر ولا يتصورونه سوى صور شعرية جديدة من خلال لغة جزلة وفخمة فقط، لذلك أجدهم نسخ متكررة لنموذج واحد، وللأسف هؤلاء هم المتسيدون في المشهد.

- بالمقابل هناك شعراء من هذا الجيل يكتبون النص الشعري بذهنية مختلفة، وبوعي متجدد، لكنهم قلة من باب التأثير على السائد، لكن من حيث الانتشار لو قسنا ذلك على مشهد العالم العربي فهم بالتأكيد الأكثرية.