آخر تحديث: 22 / 6 / 2024م - 3:35 م

على مائدة المنير دام عطاؤه

أحمد رضا الزيلعي

تمهيد

عندما بلغت الحُلُم العقلي، كان منبر سماحة العلامة آية الله السيد منير الخباز دام عطاؤه من أوائل المنابر التي تفتحت عين عقلي على نورها. أذكر أن تلك البداية كانت في محرم الحرام لعام 1427 هـ مواكبةً للإقبال النشط في حينه على القرص المدمج CD، وقبل ذلك كان لزهور منبره حضوراً متألقاً في حديقة دارنا حيث كان السيد الوالد حفظه الله يحرص على أن يقتني محاضراته لمحرم الحرام ليستمع إليها بمعية محاضرات الخطيب الكبير عميد المنبر الحسيني المرحوم العلامة الشيخ الدكتور أحمد الوائلي رضوان الله عليه وذلك منذ عام 1418 هـ على ما أتذكر وإن كان هناك أشرطة محاضرات تعود لأعوام قبل تلك السنة. توطدت العلاقة مع هذين المنبرين، كما هو حال العديد من أبناء جلينا ومن سبقه. وبعد رحيل الشيخ الوائلي رضوان الله عليه تفرد بساحة حديقتنا العلامة المنير، بالإضافة إلى ما كنا نحضره من خطباء منطقتنا المتميزين في طرحهم.

على كل حال، هناك مميزات واضحة لمنبر العلامة المنير كنت أظن أن الجميع متفق عليها ومسلَّم بها إلا أني سمعت الكثير من النقد على النقاط المميزة بحيث جُعلت نقاط سلبية، فخطر في بالي أن طرح ما رأيته مميزاً والتعليق على الملاحظات التي سمعتها كحق من حقوق المستمع لأي طرح علمي، بغض النظر عن مستواه الثقافي والعلمي، لا بأي صفة أخرى.

مميزات الخطيب

هنا أقصد مميزات العلامة المنير دام عطاؤه التي رأتها عيني القاصرة لا جميعها، فهناك مميزات يطلع عليها ذوو البصائر لا نراها نحن.

الجانب العلمي

أ. مما هو معلوم أن العلامة المنير من فقهاء المذهب وأنه من أهل الخبرة حيث أنه يقوم بتدريس البحث الخارج منذ سنوات ”في قم سابقاً والان في النجف“ أدام المولى عطاءه. فضلاً عن شهادة علمي الحوزتين بعلو كعبه الفقهي ألا وهما عَلَم حوزة قم سابقاً المرجع الراحل آية الله العظمى الشيخ التبريزي رضوان الله عليه الذي أوصى بأن يلقي السيد منير درسه في بيته بعد رحيله إلى جوار ربه الرحيم، كما سمعنا. وأما العلم الثاني هو المرجع الأعلى للطائفة آية الله العظمى السيد السيستاني دام ظله الوارف حيث أن السيد السيستاني دام ظله غَيَّر لغة بحثه إلى اللغة العربية بسبب انضمام السيد المنير لحلقة بحثه. بالإضافة إلى ذلك، هو ثاني الوكيلين المطلقين لسماحته ما يعكس سمو مكانته حفظه الله.

ب. العلامة المنير صاحب يد طولا ورأي في القضايا الفلسفية وهذا ما شهدناه من حضورنا درسه ”في آفاق المعرفة“ بمعية ثلة من الشباب. فقد سجل أكثر من ملاحظة على العلامة الطباطبائي رضوان الله عليه، وعلى تلميذه النجيب المفكر الكبير العلامة الشهيد مطهري رضوان الله عليه، في كتابيه بداية ونهاية الحكمة في المواضيع التي ترتبط بذلك البحث ونكتفي بهذا المثال لأن العلامة الطباطبائي رضوان الله عليه هو من هو والمعروف لا يعرف. بالإضافة لذلك نقده المشهود بقوته ورصانته لما يطرحه فلاسفة الغرب ويعكس ذلك أن بحثه مُتتبَّع من المعنيين بهذه البحوث من خارج المذهب والإسلام عمومًا. فللسيد هيمنه واضحة على بحوث الفلسفة ولا أبالغ إن قلت إنه كان يجيب على الاشكالات بعد الدرس بداهة ما يعكس قوة تمكنه وهيمنته على مطالب البحث تبارك المولى الكريم الذي حباه ذلك.

ج. متبحر في بحوث الأخلاق والعرفان والتفسير كما يظهر من محاضراته ودروسه، إن لم يكن أعلى من ذلك لما تحمله المحاضرات من دلالات على تضلعه بهذه العلوم. ولمسنا فيوضه الأخلاقية في مواعظه التي كان يطرحها بعض الأيام بعد درس ”في آفاق المعرفة“ وغيرها من المواعظ على شبكة المنير. وأما العرفان فإن المحاور العرفانية في محاضراته تعكس شيئاً من ذلك. وأما التفسير فيشهد له درسه الذي لازال مستمراً وذلك بما يسجله من ملاحظات على ما طرحه العَلَمين العظيمين في البحوث التفسرية وهما أستاذ الفقهاء والمراجع السيد الخوئي قدس سره الشريف والعلامة الطباطبائي قدس سره الشريف.

د. السيد حفظه الله ملطعٌ على بحوث علمي الرياضيات والفيزياء حيث أنه بدأ بدراسة هذين العِلمين كما ذكر سماحته في احدى الحوارات لمناقشة قضايها العلمية التي يستند عليها بعض فلاسفة الغرب لنقد الفكر الديني، وكما هو مشهود بعض محاضراته القيمة.

ه. لديه ثقافة عميقة وواسعة في علوم متعددة مثل التاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس والقانون وغيرها مما تظهره محاضراته.

الجانب السلوكي والأخلاقي

من خلال حضوري درسه آفاق المعرفة أستطيع أن أجزم أنه مدرسة في الجمع بين العلم والسلوك والأخلاق باعتدال حيث لا يطغى العلم على الأخلاق ولا تطغى الأخلاق والسلوك على العلم ما يعكس هيمنة لقوة عقلية على كل أعمال الجوانح والجوارح. فهو بحق مدرسة أخلاقية تسير على الأرض ويكفيك التزامه بالأخلاق إذا اشتد الحوار والنقاش سواء في الحوارات العامة أم في بحوث الخارج التي كنا نتجاسر من باب الفضول للاطلاع عليها «حيث تشعر وأنت تستمع إليه كأنك في محضر القداسة لمشهد أحد أهل بيت العصمة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين رغم أنني لا أحيط علماً بما يبحث لكني أستمع إليها لأستمتع بالنفحات الروحية فيها». فهو حقاً هذب العلم ليسير بأخلاق محمدية لذا ترى خطابه يدخل إلى قلب المتلقي من أوسع أبوابه وهذا لا يكون إلا عن ملكة راسخة في نفسه. ومما يعكس صورة أخلاقية سامية لدى سماحته هو إظهاره لأدب احترام الأستاذ واجلاله عند ذكره اسم الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر رضوان الله عليه، مثلاً، لنقل رأيه أو نقده بخفض الصوت عند ذكر اسمه واظهار الخضوع والتبجيل لقامته العلمية وهذا حاله في غياب الأستاذ فكيف سيكون الحال في محضره. هذا هو نموذج العلم العامل إذا رقى إلى أعلى مراقي العلم والسلوك والأخلاق حيث لم يكون العلم حجاباً له في إكمال العروج في آفاق السمو، وقد حصل ذلك أكثر من مرة فيما تابعته من نتاجه. بالإضافة إلى ذلك يتمتع بروحية الأب الحنون والقائد الملهم الذي يسعد بتطور من يلتجئ إليه ليتعلم أو يستفيد رغم تعدد المشاغل وكثرتها.

مميزات الخطاب

أ. يكفي أن أحيل القارئ الكريم إلى كتاب العلامة الشيخ الدكتور عبد الهادي الفضلي رضوان الله عليه ”أصول البحث“ ليجد أن محاضرات العلامة المنير دام عطاؤه عبارة عن محاضرات أكاديمية من الطراز الرفيع. وهنا أستغل الفرصة للرد على بعض النقد الذي نتج عن قراءة خاطئة لخطاب السيد مما نتج عنه نسبت بعض الآراء والأفكار إليه بدون تفحص، وذلك بنقطتين: -

النقطة الأولى/ من أصول البحث العلمي ذكر جميع الآراء حول المحور الواحد.

النقطة الثانية/ باحترافية علمية وخطابية وتربوية لدفع المتلقي إلى البحث والمثابرة، لا يفرض سماحته في كثير من البحوث رأيه على المتلقي. حتى دفعني ذلك إلى الطلب من سماحته بالتصريح برأيه في القضايا التي كان يطرحها في درس آفاق المعرفة. في الواقع هذه نقطة مشرقة في خطابه وناصعة إلا أن البعض قرأها للأسف خطأً، فعلى سبيل المثال، لقد سألته عن بعض القضايا التي فيها خلاف بين الفقهاء والفلاسفة من علماء المذهب، وقد كنت مُحمَّل برؤية الذين ينسبونه إلى صف الفلاسفة، إلا أنني فوجئة عندما قال إن رأي هو رأي الفقهاء. وهذا دليل على بطلان مدعيات كثير ممن ينتقدونه بلا تتبع ولعلهم كانوا يقصدون نقداً إبجابياً على كل حال. مما جعل الساحة النقدية تتزايد وتيرتها هو عدم دخول سماحته ساحات الجدل للدفاع عن آرائه وأفكاره وهذا السلوك يعكس ما يعكس من سمو وعلو مكانة وضعف بعض تلك النقود، وقد صرح في محاضرة تناول فيها رأي د. عدنان إبراهيم عن طول عمر ولي العصر عجل الله فرجه عن عدم رفضه لمناقشة أراء المثقفين إذا كانت علمية وموضوعية.

ب. عمق خطابه دام عطاؤه إلى حد أنه يأخذ المتلقي بيده العلمية لـ ”يريه“ جذور القضية وحلها سواء كانت عقائدية أم فقهية أم فلسفية أم كلامية أم تفسيرية أم أخلاقية أم عِرفانية أم في فلك الثقافة العامة، على غرار إراءة الطريق في الحديث عن أقسام الهداية. أما الايصال إلى المطلوب، كقسم للهداية ثانٍ، فتكفل به بحثه الخارج وأهل الفضل من تلامذته هم أهل الكلام هنا فنتركها لأهلها. وحتى على مستوى الخطاب العام، استطاع إيصال المتابع إلى المطلوب ألا وهو الرقي العلمي والثقافي والاعتدال الأخلاقي والسلوكي بالموضوعية والابتعاد عن العاطفة والصراعات والنزاعات.

ج. تنوير المتلقي بما يدور في ساحة العلم عالمياً ومحلياً، لذلك نرى أن بحوثه غنية بالبحوث الفلسفية والتاريخية وعلم الاجتماع وغيرها. نعم هناك من يضع ملاحظة على طرح الفلسفة على الجمهور العام خوفاً من ضلالهم في مسالكها، والجواب على هذا في رأي القاصر بعدة نقاط: -

1. البحوث الفلسفية غزت العالم وهيمنة حتى على القرارات فلابد من حصانة رصينة وقوية قادرة على توعية المجتمع وهو ما تحقق في منبر المنير.

2. من لديه شغف بالعلم والثقافة سيدخل ميدان الفلسفة إن أراد ذلك سواء طُرحت من على المنبر الحسيني أم لا، كما هو حاصل لحالات مشهودة لنا. والفائدة من الطرح على المنبر تتحقق بتوعية هذا الصنف من الجمهور وفتح مساحة تشده إلى المنبر الحسيني لكيلا يصبح فريسة لذئاب الفكر. بالإضافة إلى أن الساحة الان تحتاج هذا التنوع بحيث نجد المنبر العقائدي أو الكلامي والوعظي والأخلقي والتاريخي والتفسيري ومن ضمنها الفكري، كما تفضل سماحته في أكثر من حوار. وقد أكد دام عطاؤه أن الجميع مشكور وفي خدمة الحسين وتحت رعايته حيث يعطي في المجال الذي يبدع فيه.

3. النقاش الموضوعي يفرض قوته وأما من يحمل مرض الشك فعلاجه في مراجعة الطبيب المختص لا في منع المجتمع من ثقافة مفيدة.

4. البحوث العقلية عموماً تقوي القوة العقلية في الإنسان خصوصاً أنها تناقش أراء فلاسفة يحملون ذهنيات وقادة بغض النظر عن صحة أفكارهم أم خطئها.

5. هناك نقطة دينية جوهرية في الاطلاع على البحوث الفلسفية هي تطبيق مضمون الآية الشريفة التي تدعوا إلى التأمل في باطن الإنسان حيث يقول تعالى ﴿سَنُريهِم آياتِنا فِي الآفاقِ وَفي أَنفُسِهِم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُ الحَقُّ أَوَلَم يَكفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيءٍ شَهيدٌ [Fuṣṣilat: 53]. وأشرف ما في باطن الإنسان العقل والفلسفة نتاج عقلي محض وبالاطلاع على النظريات الفلسفية يعرج المطلع في آفاق قدرات العقلي البشري ثم تكتمل دورة هذا السفر أو السلوك العقلي بتفنيد تلك النظريات بالعقل الإسلامي على هدي محمد وآله الطاهرين، وهذا ما كان جلياً في درس ”في آفاق المعرفة“ الذي طرحه سماحة السيد كعادته ببراعة واقتدار «على المثقف أن يضع هذه النقطة نصب عينيه». نعم هناك من يهول الأمر ويربطه بهدف بني العباس وغرضهم من ترجمة الكتب الفلسفية اليونانية لتشتيت الناس عن هدي آل محمد فنقول إن هذا لا ينطبق على كل عصر ولا على كل عالم وثانياً السيد فقيه وظلال الفقه بادية على القضايا الفلسفية التي تتقاطع مع الفقه كما ذكرنا سابقاً. ومن الصور التي تعكس أن هناك تهويلاً، صادف أن حضرت بحثين لخطيبين أحدهما يحمل فكرة التهويل والأخر معتدل الطرح مستفيداً من البحوث العقلية أيم استفادة ويشار إليه بالبنان فيها. وكلاهما تحدث عن قول بن سينا أن عودة الإنسان للحياة بجسمه الأولي مستحيلة عقلاً، فقد حملها الخطيب الأول على أنها دلالة على ما تنطوي عليه سريرة بن سينا وتعريضه بما نسب للنبي ﷺ بينما الخطيب الأخر أخرجها كنتيجة تأمل راقية من هذا الفيلسوف العظيم تعكس غاية الأدب مع الرسول الأعظم ﷺ بقوله إن العقل البشري قدراته تقف عند هذا الحد ولولا الهدي المحمدي لما كان ممكناً إثبات البعث بالجسم الأولي مرة أخرى.

د. منبر المنير دام عطاؤه صمام أمان لحصانة فكر المتلقي الإمامي والمجتمع عموماً بتفنيد جميع القضايا الساخنة التي تحمل خطراً عليها ودحضها بأدواتها والشرع الحنيف «فمحاضراته غنية وثرية بنصوص قرآنية وروائية كثيرة جداً بشكل ملفت وفريد من نوعه لكثرتها وتعددها ودقة تصنيفها ما يعكس عن ذاكرة حديدية ما شاء الله لا قوة إلا بالله العلي العظيم».

ه. غزارة المادة العلمية التي انعكست في دسامة محاضراته بالإحاطة بجميع نقاط الموضوع المطروح بحيث لا تحتاج إلى الرجوع لمصادر أخرى فقد كفَّى ووفَّى في الأغلبية العظمى من البحوث إن لم يكن كلها، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه أعلام المذهب المتصدرون لمثل ذلك.

و. قفزات تطور مستمرة في مستوى طرحه المنبري والذي يمكن ملاحظته بالرجوع إلى محاضراته قبل ثلاثين سنة مثلاً حيث أن محاضراته خرجت من إطار المحاضرات المنبرية الكلاسيكية إلى تكوين مدرسة منبرية ”منيرية“ خاصة بمعالمها وطريقتها وتنوعها وعمقها.

الخلاصة: -

1. الوالدين المصدر الأول لتفتيح آفاق الأبناء ويأتي بعدهم الأعمام والأخوال أو العائلة الكبيرة بل حتى أبناء المجتمع، فينبغي الاهتمام بذلك كآباء وأخوال وأعمام وعلى الأبناء اْلتقاط الصور المشرقة من حولهم سواء من الدائرة الصغيرة أو دائرة المجتمع الكبيرة باقتفاء الجوانب المميزة فيها.

2. الحوزة العلمية تنطوي على أعلام متضلعين في العلوم التي ترتبط بالقضايا الدينية وهم يمتلكون جوهرة، ألا وهي محاكمة العلوم وفقاً لمذهب أهل البيت بغض النظر عن الاختلاف في نتائج بعض التحكيمات بينهم فهو حاصل حتى بين الأكاديميين بشتى علومهم وتخصصاتهم. يمكن الجزم أن هناك تسليم بصحة بعض القضايا من العلوم الأخرى وخطأ بعضها، فعلى المكلف أن يتمسك بحبل واحد من هؤلاء الأعلام الذين يشبعون حاجاته العلمية والثقافية بحسب ”وعائه“ ليسير على هديه الفكري كما يسير على هدي المرجع الفقهي وقد يكون المرجع الفقهي نفسه المرجع الفكري وقد لا يكون فالأمر نسبي. وهذه القاعدة تنطبق على جميع العلوم الأخرى سواء في الاقتصاد والتاريخ واللغة والطب وإلى آخره. فالعمر قصير ولا يمكن أن يملك الفرد الواحد رأي علمي موضوعي في كل العلوم فالله تبارك وتعالى يقول ﴿أَهُم يَقسِمونَ رَحمَتَ رَبِّكَ نَحنُ قَسَمنا بَينَهُم مَعيشَتَهُم فِي الحَياةِ الدُّنيا وَرَفَعنا بَعضَهُم فَوقَ بَعضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعضُهُم بَعضًا سُخرِيًّا وَرَحمَتُ رَبِّكَ خَيرٌ مِمّا يَجمَعونَ [Az-Zukhruf: 32] لذلك من الحكمة أن يكون للإنسان مرجع في جميع القضايا التي تمسه. بالإضافة إلى ذلك إن رواد تطوير الذات ينصحون بأن يكون للإنسان تخصص واحد واهتمام واحد ليركز فيهما فيخرج بنتائج راسخة، وهذا ما يتفق مع الدعوة إلى تركيز الجهود واتخاذ بعضنا بعضا ”سُخرِيًّا“ كما يفعل المراجع والفقهاء بالتسليم لنصائح الأطباء مثلما فعلت المرجعية العليا بالنجف في أيام جائحة كورونا أجار الله الجميع من أمثالها.

3. كفرد من عامة المجتمع أتطلع إلى أن يكون العَلم مطلعاً على ما يدور في زمانه ليرشد السائل ويهدي الضال.

4. ينبغي للمثقف أن يعلم أن العَلم الديني «والعلماء ومن سار على نهجهم عموماً» حمل عنه عناء التدقيق والتمحيص والبحث ليخرج بنتيجة تتوافق مع هدي عترة محمد ﷺ فعليه أن يسلم ويذعن وإن كان هناك اشكال لم يتضح إما يرجع لرأي عالمٍ آخر أو أن يفتح قناة تواصل مع نفس العَلم ليناقشه نقاش ”متعلم على سبيل نجاة“. ولا يأخذه الغرور العلمي فالاطلاع على الآراء وقرأت الكتب بعدد كبير لا يعطي مهارة تحكيم الأمور الدقيقة إذا أُريد تميز ما يتوافق مع مدرسة أهل البيت وما لا يتوافق. لذلك على المجتمع عموماً والمثقف خصوصاً الالتزام بالموضوعية والاعتراف لأهل الفضل بفضلهم فهناك فرق بين المزاحمة للتعلم والمزاحمة بالجدل والمماحكة فعن مولانا الصادق في الرواية المنسوبة إليه والمعروفة برواية عُنوان البصري أنه قال لعُنوان ”يَا أَبَا عَبْدِ اللَهِ! لَيْسَ العِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، إنَّمَا هُوَ نُورٌ يَقَعُ فِي قَلْبِ مَنْ يُرِيدُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يَهْدِيَهُ؛ فَإنْ أَرَدْتَ العِلْمَ فَاطْلُبْ أَوَّلاً فِي نَفْسِكَ حَقِيقَةَ العُبُودِيَّةِ، وَاطْلُبِ العِلْمَ بِاسْتِعْمَالِهِ، وَاسْتَفْهِمِ اللهَ يُفْهِمْكَ!“ [1]  وبالمناسبة هذه الرواية الشريفة محور اهتمام أهل العرفان فعلينا أن نتمعن في مضامينها أو أن نرجع إلى آداب العلم والتعلم في بحوث علم الأخلاق، فالعلم يطلب للعمل وليس للمباهاة والاستعراض وإثبات الذات، كما ينبغي للإنسان تهذيب النهم العلمي إذا تعدا حدوده. ولكيلا يكون كلامنا تحاملاً على المثقف نقول للمثقف مكانته السامية وهناك مهام كثيرة ومنها ضرورية لا يقوم بها إلا المؤهلون من أبناء المجتمع والمثقفون على رأس هؤلاء بعد أهل الاختصاص، تمنياتنا لهم التوفيق جميعاً،

خاتمة

حفظ الله العلامة المنير وآدام عطاءه وكثَّر من أمثاله وحفظ الله علماءنا الأعلام والسائرين على نهجهم ورحم الله الماضين منهم. وإن كان لي الحق بقول كلمة توجز المقال فهي مقاله قالها سماحته في حق أحد المراجع الأعلام العظام في أحد حواراته عندما طُرح اشكال على أحد آراء ذلك المرجع فأجاب بكلمة واحدة مضمونها ”أنا أقدس فلان ولا أجد نفسي في مكان نقده“، فنحن نقول نحن نقدس هذه الشجنة المحمدية ولا نملك أي أداة علمية أو معرفية لنقدها مد الله في نفحاتها وبركاتها العلمية والعملية والروحية والحمد لله رب العالمين.

 

[1]  وصيَّة الإمام الصَّادق لعنوان البَصْريّ

https://saraer.org/382/425/