آخر تحديث: 15 / 4 / 2024م - 1:48 م

احتضان أم احتقان.. حدثٌ وحديثٌ ”59“

عبد الله أمان

يَشترِك جَذرَا لَفظتي المُفردتَين المُتداولتَين ”الاحتِضَان والاحتِقَان“ في جَديد نَشراتِ ومَشاهدَ الأخبار المحلية والعالمية المُصوّرة؛ ويَتردّد ذِكرهُما بحثيًا، في نواصِي أجندات أبحاث علم النفس، وقوائم صفحات علم الاجتماع، وفي دِيباجة خطابات علم السياسة... لفظتا ”احتضان واحتقان“ المُترادفتان قد اجتمعتا معًا، ربّما ”مُصادفة“ في بناءِ جِناسٍ لَفظِيٍّ مُوسِيقيِّ، مُتناغِمٍ ناقِصٍ، إلّا أنّ هُناك بَونًا مَفصليًا شَاسعًا، يتصدّر مَراقي صَعدات ساحاتهما المُتباعدة المُتناقضة بوُضوحٍ مَألوفٍ ومَعروفٍ - لدى ذِهن القاصِي والدانِي - مَعنًى، وإِيحاءً، ودَلالةً؛ لتتمَوضَع إحدى اللفظتين آمِنةً مُستقرّةً، في صَعيدِ ضَفّةٍ قَريبةٍ دَانيةٍ؛ بينما تقبع تِربها الأُخرى مُضطربةً مُستعرةً في شَفيرِ ضفّةٍ بعيدةٍ نائيةٍ… وقد يحتاجُ المُتتبّعُ والبَاحثُ مَعًا، إلى الاستعَانة العادِلة المُنصِفة، بعدسةِ مِنظارِه المُقرّبٍ؛ لِتَصَوُّر وإدراك بُعد المسافة الفاصلة بينهما، ومَدى جَاذبيةِ ثأثير، وفاعليةِ تصعيد أحداهما النفسية والاجتماعية، مُنفردةً - سَلبًا وإِيجابًا - بين مَنازِلَ السكينة، التي تُهدي وتُداوِي، ببلسمها الشافي آثار الجُروح النازفة؛ وفي الجانب الآخر، تُشاهد بترقب وترصّد، نَوازِلَ الضغينة، القابعة في عُقر مُعترك رَوابط الكَمَد النوعِي؛ وفي وسط مشَاهِدَ الاحتقان المؤلمة النابتة، في صَميم جسد العَلاقات القائمة بوحشيةٍ مشهودةٍ، بين شؤون الأفراد؛ والماثلة احتياجًا وتَبادُلًا حَيويًا، وبين حَاجَات ومَصالح، ومَشارب، ورَغبات كُتل وزُمر الجماعات المُعاصرة… فالاحتضان، يَنطوِي على مشاعرَ حَميمةٍ؛ ويَكتنِف أحاسيسَ لَطيفةٍ؛ ويَندَى احتِضانًا وَاثقًا، وقَبولًا ذَاتيًا، بلَمساتٍ إنسانيةٍ رَقيقةٍ: كمَباعِث الانسجام، ومَجالِب الارتياح، ومُعزّزات الأُلفة، ورِياح السّماحة، ونَسائم المودّة، وطِيب أنفاس الأَريحية المُتبادَلة... أمّا شَفرة الاحتقان ”المُلتهبة“ المَمقوتة، الرابضة في دَرك قاع جَعبتها المَرذُولة، فتحتوِي على ثُفْلِ مَشاعرَ الجَفوة؛ وتكتنِف رَينَ أَحاسيسَ التباغض؛ وتستضِيف صَرْعات الحِقد؛ وتأوِي مُنجذبةً، خَاويةَ الوِفَاضِ إلى دوافعَ الكراهية؛ وتَثوِي صَاغِرةً حَقِيرةً، بأسواط تهديداتِ، صُراخ تنديداتِ الانتقام المتربّصة؛ فلَا رَاحةَ مَرجوّة، ولا سَعادة مُنتظرة، ولا انشراح شَاخص، دُون حُضورٍ ناعمٍ لمَسات الاحتضان الرحيمة المحمودة؛ ومِثل ذلك النّضح السّوداوِي المُتردّي، لَا أَمن سَائد، ولا أَمان رَائد، ولا اطمئنان صَامد، يَلُوْح في عَنان سّماء الأفق القريب، ويُلَوّح بلمٍّ حانٍ لشتات الشمل المُتبدّد سُدىً وهَباءً، بمعِية قَبضةِ المُثولِ والإذعان الصارِخين المُستحوِذين لحِدّةِ أَنياب، وشراسةِ بَراثِن أزمة الاحتقان الخانقة، جُملةً وتَفصِيلًا...!

هذا، ولِشدّة وقعِ وجَع الآثار السلبية المُحرِجة، التي تتركُها ”جائحة“ غزو الاحتقانات الموضعية، أنّى حلّت واستقرّت بسُمومِها الزّعاف، دُون سَابق انذار، أو لَطيف إشعار، والتي تقتحم، وتستوطن خِلسةً؛ وتُمنَى بها أعضاء الجسم البشري عُنوةً، فقد رَصَد، وترَصّد لَها مَيدانُ عِلم الطبّ البشري المُتطوّر - بَحثًا، ودِراسةً، وتَحليلًا، ومُتابعةً - بإقامةِ جِسرٍ شامخٍ مُتواصلٍ مِن أنجَع ”مَتاريسَ، وأصلب مَصدّاتٍ“ دقيقةٍ، تمثّلت مُخرجاتها الميدانية العلمية، في ابتكار، وتكريس، واستحداثِ سلسلةٍ مِن أحدث المناظير والأشعّات الفاحِصة الكاشِفة، عن أسرار مَكامِن، وأوكار مَخابئ، وأقبية مَعَاقل خلايا ومُستوطنات حشود تلك الاحتقانات العضوية المُتوارية، التي مِن شأنها تُقلِق بكَدرٍ أمنَ وسلامةَ؛ وتنهك رَاحة وجَمام أعضاء الجسم البشري، قاطبةً؛ لتقعَ تلك الأعضاء الداخلية المحمية - في يدَ قبضةٍ مُستحكمةٍ - فريسةً هَامدةً لهجمات خَلايا، و”رَزايا“ وسُموم، وإفرازات تلك الاحتقانات والتهتّكات، غير المرئية بالعين المجرّدة، جُملةً وتَفصِيلًا…! ولَعلّ واحدةً مِن أحدث الأجهزةالدقيقة: «جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي، التي تتدخّل فيه تقنية التصوير الداخلي لفَقرات العمود الفَقري، وُصُولًا إلى الكشف والعلاج المُبكّرين لجملةِ الالتهابات، والاحتكاكات، والاحتقانات الكامنة، التي قد تؤدّي بمُكونات الجهاز المركزي للعمود الفقري إلى التدهور والتضرّر؛ ومثل ذلك الكشف المُبكّر عن مشاكل واعتلالات وتآكل الحلقات الغضروفية، بسبب الانزلاقات الضاغطة؛ ومثلها التهابات أجزاء شبكة الأربطة المحيطة» *... وهُناك سِلسلةٌ مِن المناظِير الأخرى المُتخصّصة المُلوّنة المُساندة، مثل: مِنظار للمعدة، وآخر للقولون، وثالث للمريء…! وإنّه مِن أبجديات الحكمة، وفنيّات الطِّبابة، أنْ تكون تَكلُفة العلاج الطبّي، بمساعدة تلك الأجهزة الطبية الفاحصة، مُيسّرة ومُتاحة لإمكانيات المرضَى مِن ذوِي الدخل المحدود؛ وليس تاج مُخصّص مفصّل على رؤوس ثلّة الأغنِياء، وسَائر المُوسِرين، فحسب!

هذا وتتعدّد أشكال وأنماط؛ وتتنوّع دَوافِع ومَقاصِد الاحتضان الصدوق الودود، المُحِبّ للذّات البشرية المُحترمة، والمبجِّل لسَريرة النفس الخيّرة؛ والساعِي لإبهاج دَواخِلها، وإسعاد طوايَاها… ومِن أقرب الأمثلة الحاضرة الشاخصة في ناصية الفكر المُتجرّد المُنصِف، مَا ناله وحظِي به شَرفًا وسُؤددًا مقامُ نبينا المصطفى الأكرم، عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصَحبه الغُرّ الميامِين، أفضل الصلاة، وأتمّ التسليم؛ مٍن حَميمِ احتضان، ولُطيفِ اهتمام، وبَالغِ عناية، مِن لدُن كَافِله ومُربّيه جدّة - الأعطر الأنور - الشهم المُبجّل في قومه: عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف - طيب الله ثراه - وأثابه بالإِحسان إحسانًا؛ وبالاحتضان الأبوي رَحمةً ومّغفرةً ورِضوانًا… وتشاءُ ِإرادةُ الخالق - عزّ وجلّ - أن يرتحلَ الجدّ الحاني، إلى لقاء ربّه الأعلى؛ ليُكمل تربية وتنشئة حامل لواء رسالة النبوة وخاتمها، عمُّه أبو طالب، شيخ البطحاء، والسُّميدع في قومه… وتشاء دفّة الأقدار الإلهية، أنُ يقترن شخص سيدُ الخلقِ أجمعين، بسيدةٍ فاضلةٍ كريمةٍ؛ لتُتِمّ، وتُكمِل، وتُفرِش له شَمل الحُضن الحَاضن، وتُعينه وتُسانده مُجدّدًا، على تبليغ الرسالة الربانية، والتّشرّف، بحُسن، وآداب، وقَداسة العِشرة النبوية الطّاهرة العَطرة… وقد ترك فقد أنفس الأحبة الثلاثة، في عامٍ واحدٍ، حُزنًا شديدًا في دَواخلَ وِجدان نبي الرحمة، مِمّن أغدقوا عليه، بفائق العطف والسُّلوَان؛ وشَمِلوه بواسِع الرعاية والتِّحنان؛ وأمطروه بوافر الإنعام والإحسان؛ وأحاطوه حُبًا وصَبابةً بحميم الاحتضان!

ولجائحة الاحتقان المَنبوذة كِفلٌ وافرٌ مِن وِردِ الإفادة الضافية، ونصيبٌ جَزل مِن التبيان الناصِح، في أوساط وأعراق المجتمعات المعاصرة، ومَحاتِد شُعوب الأُمم المُتحضّرة، على وَجه الخصوص… فمَواطِن وبُنود سيل الاختلافات والتباينات الثقافية، ومثلها الموروثات الأيديولوجية، والعقائدية، وأنظمة المنهجيات السياسية… لها نصيبٌ مُعزّزٌ في إنبات وتنشئة بِذور صفّ الاحتقان، خُصوصًا إذا مَا سُقِيَت تعسّفًا وغُذِّيَت ”اضّطهادًا“ برَمِيم أجسامِ تلك البذُور المُستهدفة النّتِنة؛ وأجِّجَ لهيبُها استهدافًا مُعاديًا، بإيقاظ واستنهاض مسلسل الفِتن المُسترخِية النائمة… وهُناك احتقانٌ نَاشَبٌ لَاهِبٌ، وصِراعٌ مُحتدِمٌ مُتضرّم، بين الدول والمَمالِك في قائمة الأسبابِ الآنفِ ذِكرها… وقد تزدَاد حِدّتها المُتفاقِمة؛ وتتفاقَم رِقعتها المُتعاظِمة، إذا لم تُتّخذ وتُبادر زخم الاحتقانات الراهنة المُتأزّمة باستصدار واستمطار كافة التدابير والمساعي العقلانية الإنسانية المُمكنة لحلّها؛ وتسويَة ناشِزها، بمُكاشفات التفاهُم، ولِقاءات التفاوُض وبُنود التصالُح، وعزائم الرغبة الصادقة في طيّ صفحة الاحتقان المُضني… دُون إحداث أدنى ضَررٍ، أو أيجاد أقلّ ضَرارة؛ للحيلولة المرنة الحاذقة، دُون ”سَرمدةِ“ وإعادةِ دَورة انبعاث خانق آثار المُواجهات، وسَيّئ ضُغوط المُجابهات، وأبشع مَظاهر الصراعات، وأنتن مصادر الاحتقانات المُلتهبةِ المُستشرِيةِ، بأَشكالِها وأَنماطِها القائمة والشائكة في أعماق جسدِ العلاقات المُتوتّرة بين لفيف شعوب العالم المُعاصر أجمع، بقَضّها وقَضِيضِها، والله أعلم…!

* يوتيوب- د. فارس عرب- كيف تقرأ صورة رنين الظهر وتشخيص الأعراض- سكون مد "باختصار وتصرّف".