آخر تحديث: 21 / 6 / 2024م - 8:15 م

وقفة تأمل مع «عرش بلقيس» للكاتبة ليلى الزاهر

جهات الإخبارية

أسهبت الكاتبة الأستاذة ليلى الزاهر بأسلوب شائق ماتع في كتابها «عرش بلقيس» الصادر من دار الخَط، بيروت، سنة 1434 هـ ، استلهمت فكرتها في هذا الكتاب من واقع مجتمع تعيشه، وحلقت في ثمانٍ وعشرين قصة قصيرة تبلورت في اثنين وستين صفحة، جسَّدت فيها أروع وأنبل الصفات الإنسانية؛ مبتدئة باللبنة الأساسية في المجتمع، وهي الأسرة لتكون بذلك أنموذجًا واقعًا يحمل بين طياته المعنى والقيم السامية، لتكوين عائلة ناجحة قوية مجابهة للرياح العاتية التي تحول بينها وبين زعزعة سكونها. طرَّزتْ عرشها بأيقونة الجمال والخيال وحلَّقت بأسمى مراتبه مع هدهدها المرسول.

بدأت بقصة ”قصر الله“ رسمت فيها صورة طفل جميل أحبته كثيرًا، وضعته في القالب حسي معبرة عن وجود الخالق عز وجل؛ كيف للطفل في بداية فهمه أن يرى الله ويستشعر وجوده؟

”أمي انظري إلى السماء قد يجمع اللهُ الأطفال والكبار في مكان بحجم السماء“.

وبَنَت قصرًا مؤثثًا فارهًا من التأمل اندرج فيه الفكر مع الخيال تحت مظلة واحدة ”كان ياما كان“، جسَّدت فيه معنى الأم بقلبها النابض بالحب والحياة وتفانيها وإصرارها على المسير قدمًا في خطاها.

ولا شك أنَّ ليلى الأم المُدَرِّسة عبر تجربتها الحياتية مع الطالبات عكَس ذلك على شخصيتها الفذة؛ فأصرت على أن تواجه الصعاب بتضحية الأم الرؤوم والأستاذة الفاضلة. بذلت أقصى جهدها لأن يصل صدى تردداتها لمجتمعها، فتحدو بهِ إلى بر الأمان ولو عبر النصيحة.

وفي ”الذكرى الباردة“ امتلك قلمها في إرسال تلك الصورة أسمى مفاهيم الشعور للحظات وداع بما يختلجها من شوق وحزن وألم؛ ليصبح الغياب أعوامًا وأعوامًا من الانتظار وينتهي بها في نهاية المطاف إلى البعد والفراق.

ثم استفاضت بجوها المشحون في ”الأحلام المحرمة“ حينما بدأ انهمار الحرف يغسل تلك الذنوب العالقة على صفحات الزمن المُرِّ من الأخت التي علقت بكل أمانيها، فتحث الخطى لكي ترقى للوصول إلى ما وصلت إليه أختها، فكان الموت هو من بدَّد الشعور بالغيرة، وظلَّت الآمال والأحلام رهينةَ القدر الذي جمعها بظلال ما جمعته أختها من حصاد سنوات طويلة تاركةً إياها بعد الرحيل للعالم الآخر.

وجعلت من ”خواطر مغتربة“ غايتها في الوصول لعمق الهدف: ”لو كان الفراق صورة لراعت القلوب وهدَّت الجبال“، لوَّحت بيديها نحو الغربة بكل معطياتها وتطلعاتها، ووضَّحت أثرها على النفس وكأنها تحمل أثقال الأرض فوق كاهلها حين تخاطب وطنها بأسلوب شائق أنيق حملت معه أقسى المشاعر، ولكنها بالإصرار والإرادة تتخطى كل الصعوبات حتى تعود إلى وطنها بعد تحقيق أحلامها التي كانت تصبو إليها، ورسمت من الحب طريقًا للاستغفار من الذنب وتكفير الخطايا بأسلوب راقٍ ومهذب بحلم وأماني لنفسٍ أمَّارة بالسوء حينما قالت: ”رحمكِ الله كم كنتِ كريمةً معي فلم تبخلي عليَّ حتى بسعادتك“، ودخَلَتْ في عمق المشاكل الأسرية بأسلوب حانٍ يداعب الروح وبمنهجيةٍ رومانسية حالمة جذابة، ولطالما كان دعاء الامهات هو سيد الموقف: ”أحبُّك ابني وأسأل الله أن يوفقك للرقي نحو مدارج الكمال“.

أخذت على عاتقها أن تبدأ بهرم الأسرة وهما الزوج والزوجة الصالحة، فاختصرت العشق في جملة واحدة: ”أنا من تستنشق الحياة بوجودك جانبي“.

تبلورت فكرة ”أنهار من الحزن“ لكل أنثى حملت على عاتقها مستقبلًا حالمًا مشرقًا للوصول إلى الهدف، تحدوها الأمنيات وتسبقها الخطوات، ولكن تتعثر الخطى، وبجهدها المبذول ترسو على شاطئ الأمان، ثم رصدت المشكلات من هنا وهناك وجعلت لها مخارج وحلولًا. في الحب قمة العطاء ومصدر الإلهام. به نحيا ونرتقي، وتتذلل كل صعوبات الحياة؛ لأنه يبقى ويفنى كل شيء دونه.

وزخرفت عرشها في ختامه ب ”الميثاق“ الذي يربط علاقة الرجل بالمرأة، وفي إطار الشريعة ورضى الأعراف والتقاليد الأصيلة جعلت من هذا العرش محرابًا للألق والإبداع والجمال.

حقيقة شدَّني «عرش بلقيس» بأسلوبه المتميز وبتجسيد الفكرة الواضح وبطرح فذ وبكم هائل من الأخلاق فيه المُستلَّة من القرآن الكريم على نهج نبينا محمد ﷺ.

أمنياتي لكاتبتنا العذبة بمزيد من العطاء ودوام التوفيق.