آخر تحديث: 23 / 7 / 2024م - 5:18 م

نزعة الهدر.. بين الإخلال والاعتدال.. حدثٌ وحديثٌ ”58“

عبد الله أمان

يَندَرجُ مَفهومُ نزعة ”الهَدْرِ“ المذمومة المحمومة، ضمن أصل مُفردات قائمة ممقوتة، مِن أردأ أداء السلوكيّات الاجتماعية السلبية الممارَسة في حياة الأفراد؛ والمتّبعة - سِرًا أو جِهارًا - في صَميم أعراف، وعَميم أطراف المجتمعات، أنّى حطّت قدماك يومًا - عزيزي القارئ - للتعرّف عليها برحيب بواديهم، عَن كَثبٍ؛ وتفحصت مَليًا، مُنقِّبًا بتأمّلٍ، في سَالك وسَائد عاداتهم الاجتماعية المتوارثة الممارسة، بطرائقَ وأساليبَ مَسكوتٍ عنها… ذلك النهج الشائع الذائع، مِن رَديء ودَنيء المخرجات مِن الممارسات السلبية... والأَدهى والأَمر، أنّها تَحظى برغباتٍ طَوعيةٍ، بالقَبول الشخصي؛ وتُحتَضن تسليمًا ذاتيًا، بالإستجابة الجماعية؛ وتَنال مشاعرَ الاستهناء الميسّر في مجتمع ممارسيها، مع سلاسةِ تصرّمِ ساعات الأيام؛ وانقضاءِ أناءِ الليالي، وكأنّها ضَربٌ مِن نهجٍ مِن ”الفرائض“ المكتوبة المعتادة… وقد تسود ممارستها رَدَحًا، في أوساطِ مجتمعٍ مَا، ثمّ لَا تلبث حِينًا، إلّا أن تتقلّص وتذوِي؛ أو تتلاشَى يومًا، بعد يومٍ قادمٍ؛ نتيجةً لعواملَ شتّى

مِنها، على سبيل المثال: انتشار الوعي الاجتماعي، المُشهِّر برَزايا مِنظار ”الهدر المذموم“ والمُبرَّر بمثالب مِعيار أقبح عَواقب ونتائج تلك الممارسات السلبية، مع مِيلادِ أجيالٍ جديدةٍ؛ وذيوعِ واستهجانِ أضرارها على أحوال الفرد والمجتمع، معًا؛ والنهوض بارتقاء ذائقة رُوح الوعي والذوق الإجتماعي المُتحرّر، إلى مَا هو أسمى وأنمى، مِن نسق نمطي مُتحجّر، مِن سيل صفّ الممارسات والتفاعلات العُرفية، بأساليب عقلانية انتقائية عُليا... ولعلّ واحدةً مِن أخطر وأحقر تلك الممارسات الفردية، ومِثلها الجماعية الخطيرة المدمّرة، ألَا وهي مَغبّة تعاطي وإدمان المخدّرات، بأنواعها النّتنة، وأصنافها المُهلكة؛ لتُجابَه وتُتَابَع رَسميًا بالملاحقة القضائية الصارمة، وبتهمة التحريم والتجريم الشرعيين، والمحاكمة العادِلة… لما في ذلك مِن جَورِ الإساءة المخزية؛ وضَيمِ الإضرار المباشرين الواقعين على كاهل كَرامة وعِزّة النفس البشرية المحترمة، في المقام الأول…!

وعلى دُرُوب مَسالك شاكلة ممارسة مغبة الهدر الشائكة بأنواعها وأشكالها المعروفة، تتصاغَر بغواية؛ وتتناحَر بضلالة، في قائمة أخواتها البشعة المتهالكة، في شِعاب مَسالكها الملتوية: كالإسراف، والبطر، والتبذير، والبذخ، وتبديد المال، وهدر الوقت الثمين، وإضاعة العمر فيما لَا طائل منه…! ومِن المُلاحظ، أنَّ تلك الممارسات الزائغة المظلِّلة، لَا تتوافق وتنسجم - كمًا وكيفًا - مع منظومة الأوامر الإلهية؛ لتُجابَه وتُواجَه باللّعنة، والنقِمة، والغضب، والبُهتان، والطغيان والبُعد مِن رحمة الله تعالى؛ وبالتالي استحقاق السّخط الرباني الموجّه، بعد أن بيّن وأنذر الله - جلّا وعلَا - مِن نتائج عَواقبها الموعودة المغلّظة، ووصفها بالكفر، والمعصية، والغِواية، والتعالي، والتعدّي الجائر على حُقوق الآخرين، والبغي، والخُسران، واتّباع خطوات الشيطان، والخُلود في النار… والشاهد قول الله تعالى: «إِنّ المُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا».*

هذا، ويتَصدّر مِرارًا وتَكرارًا مُتصعّدًا، في رأس قائمة الهدر الزائغ عَن جادّة الاستقامة السمحة؛ والمائل عَن سبيل الاعتدال القويم، ممارستا: التبذير والإسراف المنبوذتين… حيث التبذير يشمل: عبث التبديد الجائر للأموال، وسائر الممتلكات المادية والمعنوية - الخاصة والعامة - في غير مَحلّها المُستحقّ اللّائق، بغير تعقّل، أو إِعمال إدراك؛ لإسداء حَاجةِ مَنفعةٍ عامةٍ؛ أو تقديمِ مُساعدةٍ في خيرٍ نفعي؛ أو تبرّعِ إِحسانٍ طوعي، يُرجى ويُحتسب ثوابهم الخيري المرتقب، ويَندَى ويعُم أثرهم النفعي الرائد في أوساط الأسرة والمجتمع، قاطبةً… ومِثل تلك المجاهرة العلنية الصارخة بالكفر والطغيان؛ واقتراف بالغ المحرّمات؛ وإتيان أمّهات الخبائث، وُصولًا مُخزيًا - بجهالةٍ وزيغٍ - إلى مراقي مَرحلةٍ مُتقدّمةٍ مِن التحدّي والتجرّؤ على قتل الأنبياء؛ والتمادي في فورة ارتِكاب واجتِلاب المعاصي؛ والإصرار الجائر على اقتراف الذنوب؛ وعدم الكفّ الحازم، والتروّي المتدبّر، والإمساك المتعقّل عن إظهار وإشاعة الأيادي المُتلطّخة بالمعصية، بأشكالها المنبوذة، وأصنافها الممقوتة؛ وإعلان وبيان مَبدأ التحدي المناهِض للإرادة والصلاح، ومساعي الإصلاح، ودعوة الهداية الإلهية… والنتيجة الحتمية المتوقّعة: نُزول غضب الله بأشكاله المستحقّة، وصُدور واقع عذابه الأليم، ثمّ حُلول صاعقة الاجتثاث المُحقّق بمَن على الأرض، مِن زُمرة العُصاة، ورُموز الطُّغاة… قال تعالى: «فَلَمَّا نَسُوا مَا ذِكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِم أَبوَابَ كُلِّ شَيىءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذَناهُم بَغْتَةً فإِذَا هُم مُبْلِسُونَ».*

هذا، ولَا تكاد تخلُو أمّةٌ معاصرةٌ، مِن إتيان الهدر المنبوذ؛ ووُرود التبذير المرفوض، بأنماطه وأشكاله المادية والمعنوية، مُجافيةً مَحاجَّ الاعتدال المطلوب؛ ومخاصمةً سَوية جَوادّ الاستقامة المحمودة؛ إذ ربّما تشّكل مغبة وغفلة شبح تلك الممارسات ”الوثنية“ الوافدة، واحدةً مِن أنماط مُخرجات العَولَمَة الشائعة الذائعة، بين فئات شُعوب العالم المعاصرة، أجمع…! ولعلّ ما يُجتمعُ عليه، ويمارسهُ، ويأنسهُ الناس عامةً، في طي هذه الأيام، على المستوى الأُسري، هو الهدر الشديد والمبالغة ”اللّامحدودة“ في استخدام وتصفّح شبكات التواصل الاجتماعي، عند صُفوف اليافعين، وعُموم المراهقين، وشَريحة البالغين، على حَدٍ سَواءٍ… ولم يَنج مِن ذلك العبث العارم، المسكوت عنه، فلذاتُ الأكبادِ الأبرياءِ؛ حيث تُرك لهم الحبل على الغارب - على مَضضٍ - في ميدانِ هدرٍ غارقٍ، وإضاعةٍ بلهاءٍ للوقت الثمين، لساعاتٍ طِوالٍ؛ لانشغال وافتتان أفراد الأسرة قاطبةً، في مغبة الاستخدام المُفرط لتلك الأجهزة المُغرية الجاذبة، وقد سَرقت بذكاء ملحوظ؛ واحتلّت بإغراء محسُوس، موقعًا مرموقًا مِن أوقات التواصل الحميمة، وساعات

التقاء، وترفيه أفراد الأسرة… فبات الجميع مُتسمّرين في زوايا المنزل الهادئ، في عُزلة تامّة، وكأنّ على رؤوسهم الطير… فالكبير، قد حبس أنفاسَه مُحملقًا لساعاتٍ طِوال أمام شاشة جواله؛ والطفل الصغير مشغولٌ في ملاحقة مَا يَحلُو له، مِن صيد الألعاب، وشتّى اللّقطات الكرتونية… أمام شاشة آيباده.

ومع دَورانِ عجلة التطوّر والتقدّم المُستمر، في أروقة، ومَقارّ المؤسسات، في الحدّ من عمليات وآليات الهدر الجائر، في مِيزانيات الموارد ومَنظومات العمل، والخُطط التنموية والإستراتيجية، فقد عَمَدَ الباحثون والعلماء المنظّرون المعاصرون، إلى استحداث، واستحثاث، ومتابعة دراسات ميدانية عملية مُطوّرة، لتطوير ومتابعة جودة العمل المؤسّسِي المُنظّم المُقدّم، في معظم القطاعات العامة والخاصة… فها هي نظرية ”كايزن - KAIZEN“ اليايانية الحديثة المطوّرة، ومعناها: عملية التحسين المستمر، لبيئة العمل، مَن حيثُ استقطاب وتدريب الكوادِر العاملة، واعداد الآليات، والخطط الأساس، وأساليب المتابعة والتقويم، بمُدخلات عِلميةٍ - عَمليةٍ مدروسةٍ… وعِند وضع لمسات التحسين مِن جَودة برامج، وفَنيّات الطبيق العملي المُمنهَج - بين الفَينةِ والأُخرى - لتلك المدخلات الإجرائية، في ميادين المؤسسات التربوية، على وجهِ الخُصوص، يَتسنّى لها رسمَ حَدٍ صارمٍ، وسنّ تفادٍ مُوقفٍ لعمليات الهدر، أو الفاقد أثناء تنفيذ البرامج التربوية، وإصلاحها ميدانيًٍا، وتحسين مُستوى مخرجاتها العملية؛ بتطبيق مبادئ نظرية كايزن القائمة أساسًا، على فعاليات التحسين المستمر؛ لأداء سَير العمل على المستوى الفردي، والجماعي، والإستراتيجي… وُصُولًا إلى تعزيز وتحقيقِ بُنودِ خُطط الرؤية الشاملة للمؤسسة التعليمية برمّتها، بُلوغًا مَنهجيًا طَيعًا، إلى إتمام وإحراز جَودة مُخرجات ومُفردات التربية والتعليم المنشودة، جُملةً وتَفصِيلًا، وبالله التوفيق…!

* سورة الإسراء- آية 27
* سورة الأنعام- آية 44
* يوتيوب- تقرير عن أهمية جودة العملية التعليمية- قناة المملكة "بتصرّف"