آخر تحديث: 25 / 7 / 2024م - 1:13 م

التوازنات الاجتماعية

محمد أحمد التاروتي *

التموضع الاجتماعي مرتبط بالوعي، والقدرة على التصالح مع البيئة الاجتماعية، فضلا عن امتلاك الأدوات المناسبة لقراءة المشهد بطريقة ذكية، لا سيما وأن التخبط والدخول في مناكفات أو مواجهات انفعالية وغير مدروسة، تكون نتائجه وخيمة على الاحتفاظ بالمكانة الاجتماعية، جراء الافتقار للقدرة على التعاطي بوعي مع التفكير السائد، والإصرار على التشابك مع البيئة الاجتماعية، الأمر الذي يحدث حالة من الخصام على الإطار الفكري، بحيث ينعكس بصورة مباشرة، على طبيعة العلاقة القائمة مع المجتمع.

اختيار الخطاب الاجتماعي يكشف مستوى الوعي، والقدرة على تحديد الاتجاهات السائدة، ”إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم“، فالمعرفة المسبقة بطبيعة التفكير، وكذلك الخطابات المناسبة، وتجنب المفردات الاستفزازية، يسهم في تعزيز الدور الاجتماعي، من خلال إيجاد موضع قدم راسخ في العقل الجمعي، جراء التعاطي بذكاء مع مختلف التوجهات الفكرية الفاعلة، على الساحة الاجتماعية، الأمر الذي يسهم في خلق حالة من التصالح الاجتماعي، خصوصا وأن الخطاب الاجتماعي مرتبط بالآليات المستخدمة في التعبير عن الذات، ومن ثم فإن اختيار المفردات التصالحية، يساعد في تحريك الأمور في الاتجاهات المناسبة، بحيث يبرز على أشكال متعددة، بعضها ذات علاقة بالمكانة الشخصية، والبعض مرتبط بطبيعة العلاقة مع البيئة الاجتماعية.

التصالح مع البيئة الاجتماعية، بحاجة إلى قراءة دقيقة للمشهد العام، وكذلك دراسة الثقافة السائدة، فالتحرك وسط رمال متحركة، دون معرفة الطريقة المناسبة لتجاوزها، يفضي في الغالب إلى الهلاك، وعدم القدرة على اجتياز تلك الأخطار، وبالتالي فإن الخطوة الأولى للانخراط بطريقة متوازنة، وذكية في الوسط الاجتماعي، تستدعي التريث كثيرا قبل اتخاذ الخطوات على اختلافها، خصوصا وأن ردود الأفعال تكون أكثر خطورة من الخطوات ذاتها، مما يتطلب وضع القدم في المكان المناسب، تفاديا للخوض في مستنقع خطير للغاية، بمعنى آخر، فإن القدرة على القراءة الدقيقة للمشهد العام، يعطي العديد من الخيارات، ويساعد في تحديد الزاوية المناسبة، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على ضبط ردود الأفعال، والعمل على امتصاص مختلف الآراء المتشنجة، نظرا لوجود معرفة مسبقة بنوعية التفكير السائد، وبالتالي فإن عملية الحصول على النتائج الإيجابية مرتبط بطبيعة التحرك أولا، والقدرة على خلق حالة من التوازن بين التطلعات الذاتية، والحفاظ على الثوابت الاجتماعية السائدة ثانيا.

التصالح مع البيئة الاجتماعية، أحد العناصر الأساسية لتكريس التوازنات في مختلف المجالات، لاسيما وأن الطموحات الشخصية تدفع البعض لمحاولة ركوب الأمواج العاتية، مما يتسبب في الهلاك أولا، وإدخال البيئة الاجتماعية في مسارات خطرة للغاية ثانيا، جراء ارتكاب أخطاء جسيمة للغاية، نتيجة المغامرات غير محسوبة النتائج، ومن ثم فإن الانخراط في العمل الاجتماعي، يستدعي التحرك وفق آليات محددة، بعيدا عن التصورات غير الواقعية، من أجل الحصول على النتائج المثمرة في الواقع الاجتماعي، خصوصا وأن افتعال الخصومات مع البيئة الاجتماعية، يكشف القصور الكبير في التفكير الواعي، فإشعال الأزمات على اختلافها، يستنزف الطاقات، ويعطل الكثير من المشاريع الفاعلة على الأرض، الأمر الذي ينسف الروابط القائمة، ويضرب مختلف أشكال التصالح، داخل البيئة الاجتماعية الواحدة.

القدرات الذاتية لامتصاص ردود الأفعال المختلفة، عناصر فاعلة في الجهود الساعية لتكريس التوازن الاجتماعي، خصوصا وأن إخراج البيئة الاجتماعية من حالة التشابك والتصادم، يتطلب العديد من الجهود، ويستدعي تقديم بعض التنازلات المؤقتة، من أجل وضع الجميع في الطريق السليم، من خلال اعتماد مقولة ”الجميع خاسر والكل رابح“، لا سيما وأن محاباة طرف على حساب آخر، تكون نتائجه غير إيجابية في الغالب، نظرا للانعكاسات السلبية الناجمة عن الوقوف خلف طرف، وإدارة الظهر إلى الأطراف الأخرى، وبالتالي فإن امتلاك القدرة على إدارة الأزمات، والعمل على تحريك الأمور بشكل متوازن، يسهم في إيجاد الأجواء المناسبة، للخروج بتصورات ذات أثر فاعل، على الصعيد الاجتماعي.

كاتب صحفي