آخر تحديث: 27 / 5 / 2024م - 8:37 ص

روح النبي الأعظم (ص) في توجيه الأمة

زاهر العبدالله *

قال تعالى ﴿وَ إِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ «4» القلم.

مقدمة: إن من أبرز معالم التأثير في الآخرين التي رسمها نبي الرحمة لأمته هي حسن الخلق وهو مفتاح المكارم والفضائل والمتضمن تحت طياته الصدق والأمانة والعفاف والنسب الطاهر فحينما تناولت روح النبي الأعظم محمد ﷺ يد القدرة ومعدن العظمة من الله سبحانه وتعالى فتجسدت وتمثلت ونطقت بالإقرار لله سبحانه بالعبودية وتبعه أهل بيته فخلقت هذه الأنوار من نور عظمته وخلق منها كل شيء فهم علة عالم الإمكان.

حيث ورد في الرواية

«عن أبي حمزة قال: سمعت عليّ بن الحسين عليه السّلام يقول: «إنّ اللّه خلق محمّدا وعليّا وأحد عشر من ولده من نور عظمته، فأقامهم أشباحا في ضياء نوره يعبدونه قبل خلق الخلق، يسبّحون اللّه ويقدّسونه وهم الأئمّة من ولد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله.»

م: الإمامة وأهل البيت النظرية والاستدلال، السيد محمد باقر الحكيم، ص 312.

وهنا سنقف أمام روح النبي الأعظم محمد ﷺ كيف أثرت بصدقها وأمانتها وعفافها على تغير أصعب منظومة فكرية وعقدية وعادات وتقاليد صورها لنا جعفر الطيار لملك الحبشة حيث قال للملك «أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف ”. فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام“. تقول السيدة أم سلمة رضي الله عنها - وهي راوية القصة -: ”فعدَّد عليه أمورَ الإسلام“.

هنا جعفر الطيار بين حال قومه من غرق في ظلمات الجهل وقاع الشهوات وأوساخ الغفلة، فأنقذهم الله سبحانه بنبيه العظيم ﷺ ليخرجهم من ظلمات الجهل إلى نور العلم. وقد أشارت سيدة نساء العالمين الزهراء البتول عن حال أمة أبيها صلوات ربي وسلامه عليه حين قالت «فرأى الأمم فرقاً في أديانها، عُكّفاً على نيرانها، عابدة لأوثانها، منكرة لله مع عرفانها، فأنار الله بأبي محمد ﷺ ظُلَمَها، وكشف عن القلوب بهمها، وجلّى عن الأبصار غممها، وقام في الناس بالهداية، فأنقذهم من الغواية، وبصّرهم من العماية، وهداهم إلى الدين القويم، ودعاهم إلى الطريق المستقيم.»

فما أجمل ما عبرت به بنت الوحي والطهر والعفاف ومن مثلها تصف مثل رسول الله ﷺ.

بعد أن عرفنا حال أمته ﷺ وما كانت عليه من ظلمات الجهل هنا يكمن السؤال.

س: كيف استطاع رسول الله ﷺ خلال ثلاث وعشرين سنة أن يغير عادات ومعتقدات متجذرة في الجهل أن يرفعها لنور العلم؟

الجواب باختصار

هو تأثير روحه المقدسة بما تحمله من قيم وفضائل وكمال وأخلاق وصبر ورحمة ورأفة وحرص على صلاح قومه فنجح رسول الله ﷺ في مختلف الصعد في الجانب الإيماني، فخلق في صفوة أصحابه الخلص كأمير المؤمنين وسلمان وعمار والمقداد وأبي ذر وجابر بن عبد الله الأنصاري رضوان الله عليهم، وأوجد حالة التكافل المجتمعي فآخى بين المهاجرين والأنصار ونظم العلاقات بينه وبين الديانات الأخرى، فأرسى قواعد السلم المجتمعي واحترام خيارات أمته. كما نظم علاقته بالدول المجاورة، وحرك عجلة الاقتصاد، فأزال حالة الفقر والبطالة وساوى في العطاء من بيت مال المسلمين فلا فرق عنده بين سيد وعبد وقريب وبعيد وأبيض وأسود، وأوجد نظام مدني يحفظ الحقوق بين كافة أمته، وأزال نزوات الطبقية والعنصرية والعرقية بقوله تعالى ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى‏ وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ «13» الحجرات

وجيش الجيوش ووضع لها الموازين التي تحفظ حق الأسرى والنساء والأطفال وحتى الأشجار، واهتم بالتعليم فأرسى قواعده من خلال خطبه وبياناته ودعمه للتعليم فأزال الأمية من المجتمع المدني، ووضع لكل شيء حدود تحفظ فيه حقوق العباد والبلاد.

حتى الذين درسوا حياة النبي الأعظم محمد ﷺ من غير المسلمين صنفوه أنه أعظم شخصية مؤثرة في التاريخ الإنساني.

يقول مايكل هارت في كتابه المائة: تقويم لأعظم الناس أثراً في التاريخ:

لقد اخترت محمدا ﷺ في أول هذه القائم، ولا بد أن يندهش كثيرون لهذا الاختيار، ومعهم حق في ذلك. ولكن محمداً عليه الصلاة والسلام هو الإنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحاً مطلقاً على المستوى الديني والدنيوي.

إلى أن يقول: وأكثر هؤلاء الذين اخترتهم قد ولدوا ونشأوا في مراكز حضارية، ومن شعوب متحضرة سياسياً وفكرياً. إلا محمداً ﷺ.

فهو قد ولد سنة 570 ميلادية في مدينة مكة جنوب شبه الجزيرة العربية في منطقة متخلفة من العالم القديم. بعيدة عن مراكز التجارة والحضارة والثقافة والفن، وقد مات أبوه وهو لم يخرج بعد إلى الوجود. وأمه وهو في السادسة من عمره، وكانت نشأته في ظروف متواضعة، وكان لا يقرأ ولا يكتب.

إلى أن قال: وفي الأربعين من عمره امتلأ قلبه إيماناً بأن الله واحد أحد، وأن وحياً ينزل عليه من السما، وأن الله قد اصطفاه ليحمل رسالة سامية إلى الناس...

فدهشت هذا الكاتب تنقضي وتنتهي لو قرأ ما قاله سيد الموحدين أمير المؤمنين حيث قال في حق النبي الأعظم محمد ﷺ

«ولَقَدْ قَرَنَ اللَّه بِه ﷺ، مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَتِه، يَسْلُكُ بِه طَرِيقَ الْمَكَارِمِ، ومَحَاسِنَ أَخْلَاقِ الْعَالَمِ لَيْلَه ونَهَارَه»

م: نهج البلاغة - ج 2 - ص 157.

فالسلام عليك يا قبلة العاشقين وملاذ التائبين ومهوى قلوب المتيمين يوم ولدت ويوم بعثت ويوم استشهدت عليك مني سلام الله أبدا ما بقيت وبقي الليل والنهار، ورزقنا الله في الدنيا زيارتك وفي الآخرة شفاعتك صلى الله عليك وعلى آلك الطيبين الطاهرين وعظم الله لك الأجر يا مولاي يا صاحب الزمان على هذا المصاب الجلل وعجل الله لك الفرج والنصر قريبا كلمح البصر والحمد لله رب العالمين.