آخر تحديث: 23 / 5 / 2024م - 7:00 م

فنون الرضا والعفو.. قصة من واقع الحوادث المرورية

أثير السادة *

المكان لا يهب الجالس شعورا بالراحة، جدران صماء، وزجاج يفصل بين المراجعين ومسؤولي مكتب الحوادث، كراس قليلة للانتظار، وطاولة يتشاغل بالكتابة عليها وافد باكستاني، اضطر لكتابة تقرير عن حادثة الهروب ليشكو فيها شابا صدم سيارته وهرب، يتلفت بين وقت وآخر طلبا للمساعدة.. في الطرف الآخر يصارع رجل نفسه ليخرج الكلمات من لسانه المعقود، لا يكاد مدون الحوادث يفهم ما يقول، وحدها عبارات رجل الأمن تصف القصة، هروب من موقع الحادث، تتعاطف قليلا مع الرجل وهو بالكاد يقف على رجليه، يبدو بأن لديه حالة مرضية متأصلة تحول دون اتزانه.. يصل الطرف المشتكي، فتتسع دائرة الإثارة، يروي هو الآخر قصة ما جرى، تفاصيل تشبه مشهد الاختلاف الذي يلي معظم الحوادث المرورية، إلا أن المشتكي وهو يحاصره بالكلام، سعى لتذكيره بإصبعه الأوسط الذي أطلقه في الهواء، كطلقة رصاص مبتذلة يذهب لها البعض في لحظة الغضب.

لا شيء استثنائي في هكذا خصومات، بل لا شيء مسل في لحظات الانتظار المملة في تلك الملاسنات، انصرف الاثنان إلى المكتب الآخر، ليوقع الثاني اقراره بالهروب، واضح بأن المشهد لا يخلو من تمثيل، الصدفة تجعلك في لحظة مواجهة أخرى مع الطرف المتهم، الشخص الذي كان يبدو مريضا، ثقيلا في كلامه، صوته المقطوع سيستحيل محاولات للهروب من الورطة، شاهدته مندفعا للخارج، وفي مظهره ما يوحي بالتعب واحتمالات السقوط، لم يجد من يتعاطف معه في تلك اللحظة، وكأن الجميع بات يشعر بأن العرض المسرحي لم يعد مقنعا، دلف إلى المكتب المجاور ولا شيء سوى الدعوة للتوقيع.

خرج الشاكي بأوراقه وبتعهد من الهارب، لكنه كان يبحث عن مكتب آخر ليفرغ ما تبقى من حرارة الخصومة، عبر عن رغبته في تقديم شكوى لما بدر من سوء سلوك، وذلك الإصبع المعلق في الهواء، كان مشغولا بسؤال المهانة، أي أنه مدفوع بالإحساس بأنه نال من كرامته، حساسيته العالية تضاعفت لأن المشهد جرى في محضر زوجته، هكذا قال، التفت إليه وقلت له هذا مكانه الشرطة وليس المرور، كانت الحماسة مازالت حاضرة وهو يتحضر للخروج، لكني وكمن يمسك بعصا الحكيم، قلت: تجاوز عنه، لكنه صنع ذلك أمام أهلي، رد بالقول، قلت: قد تأخذ منه حقا، لكن بفعلك ستضيف له قيمة، إذا كان خصمك وضيعا في تعابيره، فلا تنزل إلى مستواه، لا تركض بين المخافر والمحاكم برغبة الانتقام، ترفع عنه، ليس احتراما له، بل احتراما لنفسك وقيمتك.

غرق صاحبنا في صمته لبعض الوقت، ومضى حاملا معه هذا السؤال: بعد أن قدرت عليه هل لي أن عفو عنه، وهو سؤال أخلاقي ينبغي أن يستقر في ضمائرنا، وأن نتذكر معه سيرة رجل رحل عن عالمنا في مثل هذا اليوم، وهو يوصي بالعفو، وترك الغضب، وحسن المعاملة، تلك الآداب والأخلاق التي بها يستقيم الود بين الناس ويقطع بها دابر الشر، الرجل الذي كان“الخلق العظيم”وسامه السماوي الأكبر.

فعليه الصلاة وأزكي التسليم.