آخر تحديث: 3 / 3 / 2024م - 12:11 م

التسول الرقمي

وسيمة عبيدي * صحيفة اليوم

- لا أتذكر رؤية أي متسولين في بلدي في طفولتي، وقد عرفت مفهوم التسول عندما كنت أسافر أنا وعائلتي للبلدان الأخرى. كنت أرى رجالا ونساء، وحتى أطفالا، بعضهم بعاهات جسدية، كأن يكونوا مقطوعي الأيدي أو الأرجل، ويتعمدون عرض الجزء المشوه لديهم لاستدرار عطف وشفقة الآخرين. ثم وتدريجيا أصبحنا نرى بعض المتسولين في الوطن، في الأسواق الشعبية أو عند إشارات المرور. أغلبهم نساء متوشحات بالسواد أو أطفال، وقليلا ما كنا نرى رجالا. أعتقد من الأسباب التي جعلت أغلب الشعب السعودي يتداول فكرة أن أولئك المتسولين ما هم إلا وافدون من جنسيات مختلفة هو رفض واستنكار الشعب السعودي لفعل التسول وشعوره بقبحه. فالمجتمع السعودي كأي مجتمع في العالم، فيه الأغنياء ومتوسطو الدخل والفقراء، لكن لم نر متسولين إلا مؤخرا.

- اشتهر في منطقتي رجل على كرسي متحرك يدعي الشلل. ما جعلني أقول إنه يدعي الشلل هو تداول الناس لقصته ووضعه المريب، حيث كنا نراه في شوارع بعيدة عن المناطق السكنية على كرسيه المتحرك ونستغرب كيف وصل إلى هناك، وما الذي يفعله في ذلك المكان المقطوع وفي ذلك الجو اللاهب؟! تعود ذلك الرجل على إيقاف السيارات طالبا منهم إيصاله، فيشفقون عليه ويأخذونه معهم فيطلب منهم الأموال ويعطونه بدافع الشفقة أيضا. لقد تم تداول بعض لقطات الفيديو له وهو يقف كأي إنسان سليم معافى، يطوي كرسيه ويضعه في سيارة فخمة ثم يركب السيارة وينطلق بعد أن حصد غلة يومه.

- عينت الدولة جمعيات ومؤسسات مختصة وموثوقة لجمع تبرعات وصدقات المواطنين لمنع الاحتيال ولتنظيم عمليات التبرع للفقراء والمحتاجين فعلا. وتحاول الدولة بمختلف الوسائل توعية المواطنين لأهمية وضع صدقاتهم وتبرعاتهم في الأماكن الصحيحة وعبر قنوات معروفة، إلا أن الثقل الأكبر في تنظيم العملية يبقى على عاتق وعي المواطن وثقافته وقراره أين يجب أن يضع أمواله.

- وقد أثرت مواقع التواصل الاجتماعي على سلوك الأفراد وأحدثت تغييرات جذرية في طريقة تفاعل الناس مع بعضهم ومع العالم من حولهم، وأصبح لها دور مهم في حياتهم، حيث صار هنالك عالم افتراضي كامل متكامل يعكس العالم الحقيقي ويسمح للأشخاص بمشاركة الأفكار والمعلومات والتواصل في سياقات مختلفة.

- كل شيء في هذه الحياة سلاح ذو حدين، بما في ذلك العالم الرقمي الافتراضي. فقد ظهر مؤخرا تسول حديث مواكب للتطور والتكنولوجيا وللعالم الافتراضي، وهو ما أستطيع تسميته التسول الرقمي، حيث يقوم المتسولون الرقميون بإنشاء حسابات ثم بث محتوى يستعرضون فيه حالتهم المادية الصعبة ويطلبون التبرعات أو الهدايا المادية عبر مواقع التواصل الاجتماعي ومنصات البث المباشر كالتيك توك وغيرها. وتعتمد زيادة دخل المتسول الرقمي على براعته في استغلال عواطف المشاهدين والتلاعب بها لنيل عطفهم وشفقتهم. عالم غريب فعلا هو الذي أصبحنا نرى فيه متسولين يمتلكون الهواتف الذكية والإنترنت المفتوح على مدار الساعة يستخدمونه للبث المباشر المتواصل، ليظهروا للعالم حالهم المعدوم!