آخر تحديث: 25 / 7 / 2024م - 3:54 م

الشخصية الفريدة

محمد أحمد التاروتي *

تلعب الشخصيات الفريدة دورا محوريا، في التحولات التاريخية والمنعطفات المفصلية، من خلال وضع الأمور في المسارات السليمة، بهدف الارتقاء بالفكر الاجتماعي، والعمل على رفع النضج الفردي، نظرا للتلازم العضوي بين الثقافة الاجتماعية والمحركات الفردية، الأمر الذي يؤدي إلى الانسجام الداخلي والخارجي، بين القناعات الفردية والمعتقدات الاجتماعية، وبالتالي فإن العمل على التقريب بين الفكر الاجتماعي والنضج الفردي، يذلل الكثير من الصعوبات، ويساعد في تجاوز الكثير من التحديات، في العديد من الأزمات والامتحانات الحياتية.

وجود الشخصيات الاستثنائية في البيئة الاجتماعية، يساعد في رسم خارطة طريق، ويسهم في إذابة الكثير من التناقضات، على الصعيد الفكري، ويمهد الطريق نحو تحقيق الأهداف المرسومة، لا سيما وأن الشخصيات تسهم في إزالة الحساسيات الداخلية، وتقضي على الأطماع غير المبررة، لدى بعض الفئات على حساب المصلحة المشتركة، الأمر الذي يعطي النتائج السريعة، ويسهم في خلق الانسجام الخارجي، فضلا عن تجميد الخلافات بشكل نهائي أو مرحلي، نتيجة اشتراك العقل الجمعي في الهدف المشترك أولا، والعمل إظهار الجانب الإيجابي في البيئة الاجتماعية ثانيا، وبالتالي فإن التحركات السريعة للشخصيات الفريدة، عنصر أساسي في إزالة الكثير من العراقيل، التي تعترض طريق البيئة الاجتماعية، لتحقيق الغاية السامية.

التفاعل المتبادل، والإحساس بالهموم المشترك، وكذلك وجود إيمان كامل، عناصر أساسية في قدرة الشخصيات الفريدة، على أداء دورها المطلوب في البيئة الاجتماعية، لاسيما وأن التغريد خارج السرب لا يجدي نفعا على الإطلاق، فامتلاك الرغبة في التغيير، ووجود الفكر التغييري، لدى الشخصيات الفريدة، ليس سببا لتحقيق النجاحات على الأرض، نظرا لأهمية الاستجابة، والتفاعل الكامل من لدن المجتمع، فهناك الكثير من القيادات الاستثنائية لم تحقق الآمال المرجوة، جراء المعارضة الشديدة من القاعدة الشعبية، ومن ثم فإن المقومات الشخصية غير قادرة، على إخراج البيئة الاجتماعية من الحالة المرضية، والدخول في المسار الناجح، دون الإيمان الكامل، والرغبة الصادقة، في تجسيد الأفكار على أرض الواقع، بمعنى آخر، فإن الضياع الذي تعيشه بعض المجتمعات، تارة، مرتبطا بالافتقار إلى الشخصيات القيادية القادرة، على إحداث التغييرات الجذرية المطلوبة، وتارة أخرى، مرتبط بانعدام الثقة بالشخصيات الاستثنائية، الأمر الذي يسهم في زيادة المعاناة، وتفاقم الأمراض المزمنة، في الجسد الاجتماعي.

التعاطي بواقعية المشاكل الاجتماعي، يشكل نقطة أساسية في إحداث التحولات الحقيقية، خصوصا وأن المعالجات تختلف باختلاف الأمراض الاجتماعية، مما يستدعي البحث عن الحلول المناسبة، بعيدا عن المعالجات ”المعلبة“، فالدراسة المعمقة لجذور المشاكل عنصر أساسي، في الوصول إلى العلاج المناسب، نظرا لاختلاف التفكير الاجتماعي، وتباين مستويات النضج الفردي، مما يستدعي وضع كافة الصعوبات في الاعتبار، بهدف خلق حالة من الانسجام التام، والخروج بتصورات قادرة، على استيعاب المشاكل بطريقة غير استفزازية، لاسيما وأن عملية الانتقال بالفكر الاجتماعي من الحالة البائسة، إلى المسار الصحي، يستدعي استخدام الأساليب المناسبة، فضلا عن اختيار الخطاب المناسب، والابتعاد عن الصدمات المباشرة، وبالتالي فإن الخروج من حالة البؤس ليس صعبا، ولكنه بحاجة إلى الكثير من الصبر، وتحمل ردود الأفعال المختلفة، نظرا لاختلاف الفهم لدى مختلف الفئات الاجتماعية من جانب، والخشية على المصالح لدى بعض الفئات من جانب آخر، الأمر الذي يتطلب التريث، وعدم الاستعجال في حصد النتائج على الأرض.

قدرة الشخصيات الفريدة على التأثير، مرتبطة بفهم طبيعة التفكير الفردي أولا، واستيعاب التحولات المختلفة بالبيئة الاجتماعية ثانيا، فالشخصيات المنتمية للبيئة الاجتماعية، أكثر قدرة على إحداث التغييرات في المجتمع، نظرا وجود انتماء حقيقي، ورغبة صادقة لإخراج البيئة الاجتماعية، من الواقع البائس، بخلاف الشخصيات الطارئة التي تحاول الصعود، وتحقيق الغايات المختلفة، على حساب المصالح الاجتماعية، ومن ثم فإن الانتماء الاجتماعي يشكل حجر الأساس، نحو إحداث تغييرات في التفكير الاجتماعي، وكذلك الارتقاء بمستوى الوعي الفردي.

كاتب صحفي