آخر تحديث: 26 / 5 / 2024م - 9:00 ص

حياة وحياة!

كمال بن علي آل محسن *

تأخذنا الرأفةُ بهم أيّما مأخذ، ونرعاهم أيّما رعايةٍ بأموالنا وأوقاتنا وطاقاتنا، وهمنا الكبير هو ألا ينقصهم شيء، ولا يعكر صفوهم أي تفصيلة تخص حياتهم صغيرة كانت أم كبيرة، نوفر لهم المطعم والمشرب والمسكن واللوازم الشخصية، وكذلك الرعاية الصحية كالفحوصات والتطعيمات الدورية وغيرها، نفعل كل ذلك وأكثر من أجل أن يحيوا حياة ملؤها الصحة والسعادة والراحة، إنهم الحيوانات المنزلية الأليفة.

الحيوانات الأليفة هي التي يتم تربيتها في المنازل أو البيوت، بقصد الاستمتاع بجمال أشكالها وألوانها، أو بهدف استخدامها للحراسة والحماية، ومن هذه الحيوانات القطط والكلاب وغيرها. وقد تزايد في مجتمعنا في الآونة الأخيرة - ترفًا - اقتناء مثل هذه الحيوانات من قبل البعض من فئات المجتمع، حيث ينفقون في شرائها آلاف الريالات، وتعتمد أسعارها ارتفاعًا وانخفاضًا بحسب نوعها وسلالتها وندرتها، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إنهم يقدمون خدمة ما بعد الشراء من اختيار الطعام المناسب لها من المتاجر والمحلات التجارية، كذلك فهم يقومون بزيارات دورية للعيادات البيطرية بغية إعطائها التطعيمات المطلوبة كل ستة أشهر على أقل تقدير، أو إجراء بعض الفحوصات لها كلما دعت الحاجة إلى ذلك.

يقومون بذلك الإنفاق بسخاءٍ ونفوسٍ راضيةٍ وأيادٍ بيضاء حانية، لا يصاحبها كدر ولا ضجر ولا تذمر، ولكن عندما تتغير نوعية الحياة وتتبدل، فإن كل تلك العناوين العريضة في العطاء والبذل والمشاعر تتحول إلى أيادٍ تشتكي العوز والفاقة، وتحيط بها طاقة التبرم والتأفف والسأم.

إنّ في الضفة الأخرى حياة أولى بالتقديم والسبق، وأجدر بأن ننظر إليها بنفس ذات العين التي كنا ننظر بها إلى حياة الحيوان، حيث الرحمة والرفق والإحسان ظلالها، إنها حياة الإنسان.

بقراءة تصفح سريعة لعناوين البرامج والمشاريع التي تتبناها الجمعيات الخيرية وغيرها كرعاية الأيتام وترميم المنازل، ودعم الإيجارات وكفالة الفقراء والمساعدات التعليمية وغيرها، ستجعل بوصلتنا تغير اتجاهها، وستتبدل دائرة اهتمامنا، وسيتغير الترتيب في فكرنا لا محالة، حيث سنحرص أشد الحرص على الإنفاق؛ مما زاد لدينا أولًا على تلك البرامج والمشاريع التي تُقدّم حياة الإنسان، وتعطيه الأحقية والأسبقية دون أدنى شك، وإن بقي لدينا فائض من الفائض فلا مانع من توجيهه إلى الحياة الأخرى.

إن تقديم حياة الحيوانات لا يمكن أن يكون مستساغًا ومقبولًا ومنطقيًا إذا كان المقابل لها حياة الناس، خصوصا ممن هم بأمس الحاجة لتلك الأموال، كي يحيوا حياة نحفظ فيها كرامتهم، ونكون السند والداعم لهم ليتخطوا العراقيل والعقبات، ولتتكون لديهم نظرة إيجابية نحو مجتمعهم الذي يعيشون فيه وينتمون إليه.

لا بد لنا من أن نفرّقَ بين الحياتين من وجهة نظر إنسانية لا من وجهة نظر أخرى، وعلينا ألا نخوض في النيات والقناعات والعلل الشاذة التي لا مكان لها عندما يكون المكان للإنسان.

قال رسول الله ﷺ: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس».

نَعَمْ للناس!