آخر تحديث: 14 / 4 / 2024م - 8:26 م

في التكامل والوحدة

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

يستسقي هذا الحديث عنوانه من ورقة مطولة، نشرت تحت عنوان «عن قيم الوحدة والتكامل»، للكتاب السنوي الذي يصدر عن مؤسسة الفكر العربي. والورقة هي قراءة تحليلية للأسباب التاريخية التي أعاقت تحقيق التكامل والوحدة العربيين.

واقع الحال، أن فكرة العروبة المعاصرة، باعتبارها الأساس الذي بنيت عليه الحركة القومية العربية، كحاضنة تعبوية لمشروع الوحدة، قد عبّرت عن قوة حضورها، إبان الهيمنة العثمانية، بأشكال مختلفة، لعل الأهم بينها، قيام محاولات استقلالية متكررة عن تلك الهيمنة.

كما وجدت بعض الجمعيات العربية بالقسطنطينية عاصمة العثمانيين؛ حيث تواجد كثير من العرب، كالمنتدى العربي، والجمعية القحطانية. وقد كان الدافع الأساسي الذي تشكلت من أجله تلك الجمعيات في مرحلتها الأولى، تطوير الشعور بالانتماء إلى الأمة العربية، والاعتداد بتراثها وتاريخها المجيد. لكن اشتداد عمليات القمع والإرهاب من قبل العثمانيين على العرب، أدى بها إلى تبني مواقف ثورية تتجه نحو المطالبة بالاستقلال الكامل.

كما شهدت بعض الأقطار العربية، كالعراق وبلاد الشام، نشوء تنظيمات عربية، راوحت أهدافها بين مطالبة السلطنة بإقرار الحقوق الثقافية للعرب، والاستقلال الذاتي ضمن السلطنة، لترتقي لاحقاً، مع تطور حركة اليقظة العربية، واندلاع الحرب العالمية الأولى إلى المناداة بالاستقلال التام، وتحقيق وحدة المشرق العربي. ويعود الفضل لكتاب يقظة العرب ومؤلفه جورج أنطونيوس، في تمكيننا من معرفة تفاصيل دقيقة عن تلك المرحلة.

وقد تزامنت هذه الحركة مع دعوات فكرية للتحديث، وإزالة الفروق بين المذاهب الإسلامية، وتحرير العقل من الخرافات والأوهام، تناولناها باختصار في حديثنا الذي حمل عنوان «حول التنوير وإخفاقات النهضة».

يلاحظ في هذه المرحلة، أن طبيعة المواجهة والتحدي العربيين، بقيا محكومين بتطور مفهوم الهوية عند العرب. فالعرب من غير المسلمين، كانوا أكثر عرضة للاضطهاد العثماني؛ لذلك لم يكن مستغرباً، أن يكون دورهم أكبر، في ريادة مشروع النهضة العربية؛ حيث كانوا تحت الحكم العثماني، عرضة لنوعين من الاضطهاد، قومي كونهم عرباً، وديني كونهم غير مسلمين.

وقف قادة حركة اليقظة، مع الحلفاء في حربهم، للإجهاز على الرجل المريض ب «الأستانة»، لتحقيق الاستقلال، إلا أن البريطانيين نكثوا بوعودهم، فأجروا بالسر اتفاقيات أخرى، تتناقض مع وعودهم للعرب. وقد حكمت تلك البداية، التطورات اللاحقة التي مرت بها المنطقة، فيما بين الحربين الكونيتين، ولاحقاً بعد إنجاز الاستقلال السياسي للبلدان العربية، وشكلت إعاقة عملية لتحقيق الأمنية العربية في التحرر وتحقيق الوحدة، وكانت من أهم المصدات التي حالت دون تحقيق التكامل.

تمكنت معظم الأقطار العربية، مع مطلع سبعينات القرن المنصرم، من إنجاز استقلالها السياسي. ومع ذلك لم تتمكن من تحقيق التكامل، الذي يشكل شرطاً لازماً لقيام أي شكل من أشكال الوحدة فيما بينها.

شغل العرب، بعد الحرب العالمية الأولى، بالنتائج الكارثية، التي نجمت عن اتفاقية سايكس - بيكو. وكان على العرب أن يواصلوا كفاحهم الذي بدأوه ضد العثمانيين، ولكن هذه المرة في غياب وحدة كفاحية، وضد استعمار يفوقهم عدة وقوة.

في الأربعينات من القرن الماضي، تواصل الكفاح العربي، مستثمراً انشغال الحلفاء بالحرب العالمية الثانية، وتضعضع واستنزاف قوتهم العسكرية. وقد أثمر هذا الكفاح عن استقلال سوريا ولبنان. واجه مشروع التكامل العربي، بعد الحرب العالمية الأولى، كما أشرنا، نتائج اتفاقية سايكس - بيكو، التي أدت إلى تقسيم المشرق العربي بين الاحتلالين: البريطاني والفرنسي. وتلك أول معضلة واجهها العرب بعد سقوط السلطنة العثمانية. فمقاومتهم للهيمنة العثمانية، تمت بأرضية واحدة وسقف مشترك. بمعنى أن وحدة الكفاح كانت ممكنة، لأنها تواجه احتلالاً واحداً. وكانت الوحدة والتكامل متحققين في ذلك الكفاح.

والنتيجة أن التشكيل الجديد للخريطة السياسية والاقتصادية، للوطن العربي بعد الحرب العالمية الأولى غدا مختلاً ومشوهاً، لكنه في ذات الوقت أصبح أمراً واقعاً، ترك بصماته واضحة على معركة التحرر الوطني، حين امتشق كل قطر، على حدة، سلاحه للتخلص من الاستعمار الغربي، وبناء دولته المستقلة وتأمين مستقبل أجياله.

وعندما تمكنت تلك الأقطار من انتزاع الاعتراف باستقلالها، اكتشف الشعب العربي أن طموحاته في التحرر وصلت إلى طريق مسدود، وأن موضوع التكامل العربي، لا يزال بعيد المنال. لكنه مع ذلك، يبقى سبيل العرب، لتحقيق الوجود، ولكي يكون لهم مكانهم في عالم لا مكان فيه إلا للأقوياء، والقادرين على صناعة التاريخ.