آخر تحديث: 26 / 5 / 2024م - 9:00 ص

معجزة أن تمشي على الأرض..!

الدكتور محمد المسعود

لم يعد المشي على الماء معجزة ولا كرامة..! المعجزة في زمن القتل من أجل القتل أن تمشي على الأرض، والكرامة أن تعود حيا إلى منزلك في زمن القتل من أجل لا شيء يستحق أن تفقد حياتك من أجله..!.

الجوعى الذين يكتم ملح البحر أصواتهم قبل الغرق، تأكل بقاياهم كلاب السواحل، أو تدفن أجسادهم عريا، في أرض تبغضهم، بلا صلاة ولا دعوة رجاء لهم برحمة..!.

باتت شعوب كثيرة بين يديها تنوع في الموت، وحرية اختياره، وتختزل حياتها كلها في انتظاره وترقبه.. بالقرب من سواحل كثيرة في أوروبا، مقابر كثيرة كل قبورها بلا أسماء..، تشتكي عظامهم المتجاورة الفقر والتعطل والخوف واليأس والعجز أن يمشي على قدميه، دون أن يختطفه قتل لسبب لا يعرفه، وبرصاصة لم ينظر إلى وجه صاحبها طيلة عمره.

الجوعى الهاربون على عيدان القصب، والقش، والهواء أكثر من ربع مليون شهريا، وإن الأجساد التي تلتقط من البحر، أو التي يتم أغرقاهم فيه من الدول التي تنبذهم، هم بقية قليلة من ملايين النساء والأطفال والرجال هائمين خرجوا للبحر بأسمالهم، لفظتهم حروبا، وفقرا سياسيا وبطالة مزمنة بلا رجاء، ولا أمل، وعجز أن يمشوا على الأرض مطمئنين.. فظنوا أن خلف البحر أرضاً يزرعون من قمحها ويطعموا أطفالهم خبزها..!.

في سوريا انشقت أرضها لتضم نصف مليون سوري، بأحلامهم الصغيرة، بشهواتهم المتواضعة، وبطفولة لم تبدأ، وأمومة لم تكتمل، وشيخوخة لم تنعم بفراغ التبتل وبهجة خواتيم السور في الأسحار..!.

وفي ليبيا. كل مكان هو فيه، قد يكون أقصر مكان ليصل الموت له، أو ينزل عليه، أن يستيقظ حيا، فهذا ليس ضمانا له يظل كذلك حتى آخر يومه...!!.

وفي السودان.. يلوذ الناس بالصحراء الظامئة، هروبا من موت يأتي من كل مكان، لا يستثني أحدا، ولا يحزن على قتل أحد، وفي كل يوم يتم تقطيع قماش العمائم لتتحول إلى أكفان لضحايا ألقت بأجسادهم أو ببقاياها قنابل ثقيلة، لا يعرفها أحد أو يتعذر على أحد معرفتها..!!.

ملايين النساء والأطفال والرجال من هذه الدول ومن غيرها في جوع يغلبهم على أنفسهم، ظمئ تائهون بلا وجهة، وبلا سبيل، وبلا مأوى يرتضيهم ولا أرض تقبلهم.. فكل أرض ضائقة بما فيها، كلما وصلوا إلى حد دولة لفظتهم بأقصى قسوتها وقوتها إلى غيرها..!!.

فبات من المعجزة فعلا.. أن تمشي على الأرض دون أن يختطفك الموت، أو أن تكون سائرا إليه وإن تقلب المصائر والأحوال لهذه الدول والشعوب، كان في غير إرادة منهم ولا اختيار، وإن من قتل لا يعرف لماذا قتل، ولا من قتله، ومن المستفيد من قتله..!.

إذا بلغت بمقالتي هذا المنتهى.. أوصيك أن ترى عظيم نعمة الله تعالى عليك، وأن لا تستصغر قدر أمنك وأمانك. وعظيم نعمة أن تعرف معجزة أن تمشي على الأرض مطمئنا لا تسعى إلى قتل أحد لتعيش، وأن لا يسعى غيرك لقتلك ليبقى حيا..

فقد بات من المعجزة فعلا تمشي على الأرض. لا أن تمشي على الماء.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
د. أحمد فتح الله
[ تاروت، السعودية ]: 5 / 9 / 2023م - 6:35 م
الله …. الله…. الله!!!

لم أكن أتوقع أن المعتاد على جفاف وصرامة لغة القانون يوطوعها سيمفونية سياسية بأرجل برمائية تمشي على يباس الأرض وفوق ماء البحر، وبأجنحة أدبية تطير في فضاء الإنسانية.

فهل قبل وبعد "الأمن والأمان" مطلب!
هذا تاريخ اليوم أمام أعيننا وحول مسامعنا
وكان تاريخ الأمس نقرأه في الكتب.

"إذا بلغت بمقالتي هذا المنتهى..
أوصيك أن ترى عظيم نعمة الله تعالى عليك، وأن لا تستصغر قدر أمنك وأمانك"

لا فض فوك دكتورنا العزيز
وسلمت أنامل يديك التي عزفت هذه السمفونية الراقية جدًا.