آخر تحديث: 22 / 2 / 2024م - 10:10 ص

حول التنوير وإخفاقات النهضة

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

نستخدم معنى التنوير في هذا الحديث، بمفهومه التاريخي المعاصر، المرتبط بالانبعاث العربي، الذي بدأت طلائعه منذ منتصف القرن التاسع عشر. وقد بدأت جذوره، بدعوات التسامح الديني، وقبول قوانين التطور، واحترام الرأي والرأي الآخر، ومع أننا نميّزه عن عصر الأنوار الأوروبي، وأدبيات الدولة الحديثة، التي عبّرت عنها أفكار روسو ولوك ومونتيسكيو، لكن أي محاولة للفصل بين منظومة أفكارهما، تبدو تعسفية.

ارتبط عصر الأنوار الأوروبي، بالمرحلة الرومانسية التي بشرت بجملة من الأفكار، جسدتها لاحقاً الثورتان، الفرنسية والإنجليزية. وقد شملت تلك الأفكار، مختلف الأنشطة الفكرية والثقافية والفنية والإبداعية بأوروبا، وعبّرت عن ذاتها بأشكال مختلفة، رمزية وسيريالية وتجريدية وواقعية، تبعاً لطبيعة المرحلة، ولمساحات الحرية المتاحة، وأيضاً بمستوى النمو الاجتماعي والسياسي، والمناخات التي سادت في حقبة الانتقال نحو الثورة الصناعية، وما سبقها من كشوف جغرافية.

بالوطن العربي، بدأ عصر التنوير، أثناء مقارعة السيطرة العثمانية. وجاء في شكل مناداة بالوحدة وإزالة الفروق بين المذاهب الإسلامية، وتحرير العقل من الخرافات والأوهام، ودعم العقائد بالأدلة والبراهين، والتخلص من قيود التقليد وفتح أبواب الاجتهاد، ومناهضة الاستبداد.

وكان المشرق العربي، قد شهد منذ بداية القرن التاسع عشر، بروز حركة أدبية وفكرية وسياسية واسعة وجمعيات علمية. ومنذ ذلك الحين، توالت الصحف في الصدور. كما برزت اتجاهات اجتماعية ودعوات فكرية إلى التحديث، وتغليب للمشاريع الوطنية، بديلاً عن الانتماءات الفئوية، عبرت عنها دعوة رفاعة رافع الطهطاوي إلى أن يكون الوطن

«مكان سعادتنا العامة التي تُبنى من خلال الحرية والفكر والمصنع».

اعتبر الكواكبي العرب أمة واحدة، ورأى أن الأمة قد يجمعها نسب أو وطن أو لغة أو دين وحقوق مشتركة، وأن اللغة العربية هي الرابطة الأولى بين العرب. وقد تماهت هذه الرؤية، في بعض جوانبها، مع بروز الدولة القومية، بالقارة الأوروبية، التي كانت بدايتها على الصعيد العملي، بألمانيا مع بسمارك.

وهكذا يمكن القول، إن التنوير العربي أسهم في انبعاث الوطنية الحديثة، التي تغلغلت فيها الآراء الغربية في الوطن والحرية والدولة الحديثة والعلاقات التعاقدية. وقد زاوجت حركة التنوير، بين الإعجاب بالتراث العربي الإسلامي والتأكيد على صلة العروبة بالإسلام، والافتتان بالفكر السياسي الحديث.

والسؤال الذي بواجهنا باستمرار هو لماذا حقق عصر الأنوار الأوروبي أهدافه، واستمر يتقدم بثبات، جاعلاً من القارة الأوروبية مركزاً للعالم، في حين فشل التنوير العربي. بمعنى آخر، لماذا نجح مشروع النهضة الغربي، وفشل مشروع اليقظة العربية؟

لقد تزامنت حركة الانبعاث العربي المعاصرة، مع انهيار الطبقة الرأسمالية المحلية، وغياب الطبقة المتوسطة بفعل الصعود الكاسح للاقتصاد الأوروبي، وتدمير الصناعات الحرفية في حوض المتوسط بسبب توافد المنتجات الأوروبية رخيصة السعر للأسواق المحلية، واكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح، مما أدى إلى تراجع أهمية عدد من الموانئ العربية، التي كان لها دور في رفد اقتصادات مصر وبلاد الشام.

لم تتمكن حركة الانبعاث، من مواصلة مهمتها التاريخية. فمن جهة شعرت، نتيجة لارتباطها العميق، بالثقافة التقليدية بخطر التغريب كمدمر حقيقي لقيمها الحضارية، ومن جهة أخرى غمرها شعور بالحاجة للتحديث. وهكذا حاولت المواءمة بينهما. وتمكنت من تحقيق بعض النجاحات، كبعث اللغة وتكييفها تكييفاً جديداً منسجماً مع متطلبات التجديد الثقافي والتقانة، وإيقاظ الروح النقدية، لكن بنيتها الفكرية والاجتماعية والثقافية، لم تسعفها في تحقيق ما هو أكثر من ذلك.

يضاف إلى ذلك، أن اليقظة العربية، جاءت بعد انقطاع طويل لنهضة الأمة. ذلك يعني أن التنوير العربي، لم يكن نتاج صيرورة وتراكم تاريخي، بل مشروعاً وافداً من الغرب. ولذلك بات صدى واهناً لتحولات كبرى بالمجتمعات الأوروبية. فكان أداؤه وجهاً آخر، للعجز عن المبادرة والإبداع، وتعبيراً عن ضحالة الفكر.

وكانت مواقف حركة التنوير مرتبكة، تجاه عنصري النهضة، الحرية والعدالة. فبدلاً من ربطهما معاً في برنامج سياسي واحد، جرى تغليب أحدهما على الآخر، بل ووضعا في بعض المراحل التاريخية، في حالة تشابك وتعارض مع بعضهما.

مكمن الداء إذاً، هو وضع عناصر النهضة، في مواجهة بعضها. عنصر نهضوي ملحّ في مواجهة عنصر نهضوي آخر ملحّ، الحرية في مواجهة التنمية والعدالة، والعدالة الاجتماعية في مواجهة الحرية، في متتاليات أقرب للميكانيكا، وليس لنظرية الدورة التاريخية.