آخر تحديث: 25 / 7 / 2024م - 1:13 م

أراجيز الطف 48

محمد أحمد التاروتي *

تفيض أرجوزة الشهيد يحيى بن سليم المازني، في يوم عاشوراء، بمفردات القوة والشجاعة والبسالة، حيث تتضمن أقوى الكلمات المتضمنة البطولة الشديدة، من خلال الاستفادة من البلاغة، والقدرة على تطويع المفردات للغايات المقصودة، بالإضافة لذلك فإن الأبيات تتضمن الإقبال على الشهادة بشوق كبير، والرغبة الشديدة في التضحية بالنفس، في سبيل الدفاع عن الدين، ونصرة ريحانة الرسول الأكرم .

ينطلق الشهيد يحيى المازني، في الشطر الأول من الأرجوزة، بالكشف عن الإرادة الصلبة في إنزال العقاب العادل بالجيش الأموي، من خلال استخدام مفردات قوية للغاية، بهدف إظهار العزيمة الراسخة، والثبات الكامل في المعركة، فهذه المفردات قادرة على إعطاء الطرف المقابل الرسالة الواضحة، والمتمثلة في العزم على المواجهة المباشرة، واستخدام السيف في الضرب الشديد، على الرؤوس والأطراف، فالشهيد يحيى المازني، حرص على انتقاء المفردات بعناية شديدة، بهدف إيصال المعاني الواضحة للجيش الأموي، خصوصا وأن هذه الكلمات قادرة على إحداث الأثر النفسي في قلوب العدو، من خلال الاستفادة من مفردة ”الفيصل“، التي تكشف مقدار القوة التي يتحلى بها في المعارك، بحيث تكون الضربات القاضية والمميتة، ومن ثم فإن الضرب الشديد يكشف عدم الخوف من الموت والركض طواعية نحو الشهادة، حيث يقول ”لأضربن القوم ضرباً فيصلا“.

فيما يصر الشهيد يحيى المازني، في عجز البيت الأول من الأرجوزة، على امتلاك القدرة على مواصلة الفتك بالجيش الأموي، من خلال استخدام القوة اللازمة للإطاحة بالعدو، فالضربات الشديدة التي يوجهها لأجساد الأعداء، قادرة على القضاء عليهم بشكل سريع، فهذه الضربات من القوة بحيث لا يمكن تحملها على الإطلاق، انطلاقا من الشجاعة والبسالة التي يتحلى بها، فهي قادرة على إحداث الجراحات في أجساد الأعداء، مما يعني إزهاق الأرواح المنافقة، التي احتشدت في صحراء الطف، لمحاربة سبط المصطفى ، فالشهيد يحيى المازني، حرص على اختيار الكلمات ذات الوقع السريع في النفوس، من خلال استخدام مفردات ”الضرب“، التي لا تدع مجالا للتفسيرات الأخرى، فهذه المفردة تعطي معنى واحدا فقط، والمتمثل في إرسال أرواح الجيش الأموي إلى نار جهنم، بالإضافة إلى الاستعداد لتلقي مختلف أنواع الجراحات جراء ”الضرب الشديد“، الأمر الذي يسهم في التعجيل نحو الموت والخسارة في الدنيا والآخرة، لاسيما وأن معسكر عمر بن سعد تحركه الأطماع الزائلة، فيما معسكر سيد الشهداء يدافع عن الحق، والاستعداد التام لتحمل ضربات السيوف، في سبيل نصرة الدين الإسلامي، حيث يقول ”ضرباً شديداً في العدا معجّلا“.

ويواصل الشهيد يحيى المازني، في الشطر الأول من البيت الثاني، من الأرجوزة، إبراز الشجاعة وإظهار التفاني التام، في سبيل الثبات على البصيرة التي يمتلكها، من خلال الإصرار على القتال، وعدم الخوف من الألوف الجرارة، التي ملئت ساحة الطف، فهو قادر على منازلة العدو، وغير عاجز عن مقارعة كل مقاتل يصف في وجهه، الأمر الذي يكشف الإرادة الصلبة التي تحركه في ساحة المعركة، خصوصا وأن الإيمان الراسخ الذي يمتلكه، يحفزه على إظهار البطولة، والقوة في ميدان المعركة، بحيث يتجلى في التعجيل بكل من برز إلى المنازلة في المعركة، بالإضافة لذلك فإن الشهيد يحيى المازني قادر على تحمل الضربات، والطعنات بكل اطمئنان، فهذه الجراحات لا تظهر على قسمات وجهه، من خلال التأثر بها، أو إظهار بعض الأصوات الدالة على الآلام الشديدة، حيث يستخدم مفردة ”مولولا“ للدلالة على السير بعزيمة راسخة وثبات كبير، وعدم إظهار الانكسار، أو الخوف في وجه العدو، فالسيف الذي يحمله في اليمين يحوله إلى طوفان في وجه الجيش الأموي، وبالتالي فإن العجز غير وارد على الإطلاق أثناء الانطلاق نحو ساحة القتال، حيث يقول ”لا عاجزاً فيها ولا مولولا“.

وفي عجز البيت الثاني من الأرجوزة، يتحدث الشهيد يحيى المازني، عن عدم التردد في خوض غامر الموت، فالموت في معركة الطف تمثل الشهادة، والفوز برضوان الله تعالى، الأمر الذي يحفز على الانحدار نحو المعركة بكل ثبات وعزيمة، فالسيوف المشرعة في وجه معسكر ريحانة المصطفى ، لم تدخل الخوف في قلبه، ولم ترهبه على الإطلاق، فهذه السيوف تشكل الطريق نحو الجنة، والخلود في الدنيا والآخرة، ومن ثم فإن محاولات الإرهاب التي يحاول الجيش الأموي إدخالها، في النفوس معسكر الإمام الحسين ، ليست ذات جدوى مطلقا، نظرا لامتلاك البصيرة الكاملة، واليقين التام بالسعادة الأبدية، التي تنتظر معسكر سيد الشهداء ، فالشهيد يحيى المازني اختار المفردات الدالة على الإقبال على الموت بثغر باسم، من خلال توظيف مفردة ”مقبلا“ للدلالة على وجود الرغبة الصادقة، في الركض نحو الموت، وعدم الهروب من المعركة، مما يعطي رسالة واضحة للجيش الأموي، بفشل جميع المحاولات لإدخال الخوف في النفوس، والاستسلام خوفا من الموت، خصوصا وأن المعارك التي خاضها تشهد بالبطولات التي سطرها والرؤوس التي أطاحها بالسيف الذي يحمله في تلك المعارك، وبالتالي فإن الخوف من القتال لا يدخل القلوب التي خاضت الكثير من الحروب في الماضي، حيث يقول ”ولا أخاف اليوم موتاً مُقبلا“

وذكر المؤرخون أنَّ يحيى بن سليم المازني لما خرج للقتال أخذ يرتجز، وهو يقول:

لأضربن القوم ضرباً فيصلا
ضرباً شديداً في العدا معجّلا

لا عاجزاً فيها ولا مولولا
ولا أخاف اليوم موتاً مُقبلا

كاتب صحفي