آخر تحديث: 14 / 7 / 2024م - 1:08 م

أراجيز الطف 47

محمد أحمد التاروتي *

تبرز أرجوزة الشهيد عمرو بن مطاع الجعفي، في يوم عاشوراء، البطولة والبسالة وامتلاك جميع فنون الحرب في ساحة القتال، بالإضافة إلى التفاني والذوبان في حب سيد الشهداء ، والاستماتة في الدفاع عن العترة الطاهرة، باعتبارها الوسيلة إلى الفوز بالرضوان والابتعاد عن نار الآخرة.

ينطلق الشهيد عمرو بن مطاع الجعفي، في الشطر الأول من الأرجوزة، من الاعتزاز بالذات، والافتخار بالنسب الرفيع، من خلال الابتداء باسم العشيرة التي تشكل الظهر، والسند في جميع الأحوال، سواء في أوقات الشدة أو الرخاء، فضلا عن كون العشيرة تكشف المعدن الأصيل، والشرف الكبير التي تورثه لأبنائها، الأمر الذي يفسر الإصرار على ذكر اسمه ”عشيرته“ في مطلع الأرجوزة، من إجل إعطاء الجيش الأموي الأصول الكريمة، التي يعود إليها من جانب، وتذكير العدو بالبطولات التي يتوارثها أبناء العشيرة من جانب آخر، مما يسهم في إحداث حالة من الإرباك الداخلي، لدى كل فرد من الجيش الأموي، بمجرد النزول لطلب المنازلة، بالإضافة لذلك، فإن الشهيد لا يغفل عن التفاخر بأبيه في الأرجوزة، من خلال ذكر اسمه صراحة ”مطاع“، كنوع من الاعتزاز بوالده الذي أورثه العزة، والبطولة والشجاعة في ساحات الحرب، والشرف والكرامة في قومه، حيث يقول ”أنا ابن جعف وأبي مطاع“.

بينما يتوعد الشهيد عمرو بن مطاع الجعفي، في عجز البيت الأول من الأرجوزة، جيش عمر بن سعد بالمزيد من القتلى في ساحة المعركة، فالسيف الذي يحمله باليد اليمني قادر على الوصول، إلى رقاب بكل سهولة ويسر، فهذا السيف لا يتوانى في قطع الرؤوس، وبتر الأيدي بضربة واحدة، كونه ”قطّاع“، وبالتالي فإن محاولة الهروب من الموت، والنجاة من ”المرهف“ ليست مجدية على الإطلاق، نظرا لوجود إرادة صلبة قادرة على الإطاحة، بتلك الجماجم دون رحمة أو شفق، فالشهيد عمرو بن مطاع الجعفي، يتحرق شوقا لإعمال السيف في أجساد الجيش الأموي، الذي يحيط بمعسكر سيد الشهداء من كافة الجهات، الأمر الذي يتطلب إظهار البطولة والشجاعة، وعدم التواني إرسال العدو إلى جهنم، لاسيما وأنه يتحرك لأغراض دنيوية، وطمعا في الدينار والدرهم، حيث يقول ”وفي يميني مرهف قطّاع“.

وينتقل الشهيد عمرو بن مطاع الجعفي، في الشطر الأول من البيت الثاني، من الأرجوزة، إلى الكشف عن مواصفات السيف الذي يحمله في ساحة القتال، فهو يمتاز الكثير من المواصفات التي تجعله موضع ثقة لصاحبه، حيث يمتاز بكون رأسه ”لمّاع“ ويبهر العدو قبل الصديق، بيد أن اللمعة الصادرة منه ليست لإظهار جماله في العيون، وإنما اللمعان صادر من كثرة الضرب، ومن ثم فإن قيمة السيف لا تكمن في مواصفات الجمالية، ولكنها تظهر في قدرته على الفتك بواسطة اليد التي تحمله، خصوصا وأن هناك الكثير من السيوف تمتاز بغلاء الثمن، ولكنها لا تجد السواعد القادرة على تحريكها، بالطريقة المثالية في الحروب، نظرا لانعدام الشجاعة اللازمة لدى أصحابها، أو نتيجة عدم اشتراكها في المعارك، منذ اليوم الأول لصناعتها، حيث يقول ”وأسمر في رأسه لمّاع“.

ويواصل الشهيد عمرو بن مطاع الجعفي، في عجز البيت الثاني من الأرجوزة، سرد المزيد من المواصفات التي يمتاز بها سيفه، فهذا ”الأسمر“ لا يتصف باللمعان فقط، وإنما يمتاز كذلك بإطلاق الشعاع بقوة في عيون العدو، فهذا الشعاع ينطلق نتيجة انعكاس الضوء عليه، من شدة بياضه وصفاء الحديد المستخدم في صناعة من جانب، والقدرة على إرسال وميض الضوء إلى عيون الطرف الآخر جراء جودة الصناعة من جانب آخر، وبالتالي فإن السيف الذي يمتلك هذه المواصفات لا يجارى في ساحة المعركة، فهو قادر على إنزال العقاب العادل في العدو، من خلال اختراق الأجساد بكل سهولة، فالشهيد عمرو بن مطاع الجعفي، يهدف من وراء الإسهاب في سرد مواصفات السيف، إدخال الرعب في الطرف المقابل، من المصير الحتمي الذي ينتظر، كل من يحاول تجربة هذا السيف في ساحة المعركة، حيث يقول ”يرى له من ضوئه شعاع‏‏“.

ويكشف الشهيد عمرو بن مطاع الجعفي، في الشطر الأول من البيت الثالث من الأرجوزة، عن الفرحة والسعادة الغامرة من التشرف في القتال بجوار سيد الشهداء ، فهذه المعركة ستكشف مستوى البطولة التي يمتلكها في مواجهة الأعداء، من خلال استخدام السيف الذي يمتلكه لقطع الرؤوس في حومة الميدان، خصوصا وأن معركة كربلاء تمثل الفيصل بين الحق والباطل، وبالتالي فإن الوقوف بجوار الحق يفرض إظهار البطولة، والشجاعة في ساحة المعركة، من أجل نصرة الدين ورفض جميع الانحرافات، التي ينادي بها معسكر عبيد الله بن زياد، حيث يقول ”الْيَوْمَ قَدْ طَابَ لَنَا الْفِرَاعُ“.

ويتناول في عجز البيت الثالث من الأرجوزة، الغاية الحقيقية من وراء الانطلاق بكل اطمئنان، واستقرار في ساحة المعركة، فهو يكشف عن الهدف الكامن وراء الإقبال بنفس مطمئنة، على الشهادة دون خوف أو تردد، فالهدف يكمن في الدفاع عن ”حسين“ بواسطة الضرب في العدو دون رحمة أو تخاذل، خصوصا وأن الشهادة تحت لواء سيد الشهداء شرف لا يناله سوى القلة القليلة، ممن امتحن الله قلبها بالإيمان، ومن ثم فإن اقتحام الصفوف ومقارعة الأبطال لا تدخل الخوف في نفوس القلة القليلة، التي نذرت نفسها في سبيل الله ونصرة حجة الله على أرضه، حيث يقول ”دُونَ حُسَيْنِ الضَّرْبُ وَالسِّطَاعُ“.

وفي الشطر الأول من البيت الرابع من الأرجوزة، يتحدث الشهيد عمرو بن مطاع الجعفي، عن المصير الذي ينتظره بعد سقوطه في ساحة المعركة، فالفوز بالجنة ومرافقة الشهداء في دارة الخلود، خصوصا وأن البصيرة الواضحة التي يمتلكها تدفعه دون تردد للتضحية بالنفس، والتفاني في سبيل الدفاع عن سبط المصطفى ، فهذه المعركة الطريق نحو الخلود الأبدي، الأمر الذي يستدعي مجاهدة النفس، وتوطين الذات على تحمل ضربات السيوف، والوقوف بكل شموخ في ساحة المعركة، لتلقي مختلف الطعنات، واستقبال السهام بكل رحابة صدر، فالثمن الذي ينتظره يستحق كل هذه الآلام الدنيوية، الناجمة عن ضربات السيوف وطعنات الرماح، حيث يقول ”نَرْجُو بِذَاكَ الْفَوْزَ وَالدِّفَاعَ“.

ويتطرق الشهيد عمرو بن مطاع الجعفي، في عجز البيت الرابع من الأرجوزة، إلى الخشية والخوف من حر نيران جهنم، فالهروب من المعركة مصيره الدخول في النار، مما يشكل سوء المنقلب وسوء العقاب، فالمفردات التي استخدمها الشهيد عمرو بن مطاع الجعفي، تكشف مقدار الإيمان والذوبان الكامل في ذات الله، فهو لا يرضى على نفسه التقلب في نيران السعير، وإنما يتحرك شوقا في للفوز بالجنة، ومجاورة الأنبياء، والأوصياء، والشهداء، والصالحين، فالاستقرار في الجنان يمثل الفوز الحقيقي، بينما الانغماس في الملذات الدنيوية، تمثل الخسارة في الدنيا والآخرة، حيث يقول ”مِنْ حَرِّ نَارٍ حِينَ لَا امْتِنَاعُ“.

وتنقل كتب السيرة أن عمرو بن مطاع الجعفي لما خرج للقتال أخذ يرتجز ويقول:

أنا ابن جعف وأبي مطاع
وفي يميني مرهف قطّاع‏

وأسمر في رأسه لمّاع
يرى له من ضوئه شعاع‏‏

الْيَوْمَ قَدْ طَابَ لَنَا الْفِرَاعُ
دُونَ حُسَيْنِ الضَّرْبُ وَالسِّطَاعُ

نَرْجُو بِذَاكَ الْفَوْزَ وَالدِّفَاعَ
مِنْ حَرِّ نَارٍ حِينَ لَا امْتِنَاعُ

كاتب صحفي