آخر تحديث: 25 / 7 / 2024م - 1:13 م

أراجيز الطف 45

محمد أحمد التاروتي *

ركزت أرجوزة الشهيد زياد بن عريب الصائدي، في يوم عاشوراء، على الثواب الكبير والنعيم الدائم، الذي ينتظر معسكر سيد الشهداء ، حيث السعادة في الدنيا والآخرة، مما يكشف البصيرة التي يمتلكها أنصار الإمام الحسين ، الأمر الذي يحفز على الركض نحو الشهادة، وعدم التردد في مواجهة الجيش الأموي، بحيث ترجم في زيادة أعداد القتلى في معسكر عمر بن سعد.

يبدأ الشهيد زيادة بن عريب أرجوزته، في ساحة الطف، بالبشارة العظيمة التي ينتظرها الجميع، بعد انتهاء المعركة في يوم عاشوراء، فالأجساد المرملة بالدماء، والأشلاء المتناثرة في صحراء كربلاء، الأضاحي المتفانية في طريق الحق، ونصرة التعاليم الدين الإسلامي والحريصة على تصحيح الانحراف في شريعة المصطفى، ستبقى خالدة على مر الأيام والدهور، نظرا لاختلاف المنطلقات والأهداف التي يحارب من أجلها كلا الفريقين، فمعسكر سيد الشهداء يضم كوكبة من الشخصيات، التي باعت نفسها في سبيل الله، ونذرت ذاتها في طاعة الله ورسوله، بينما معسكر عمر بن سعد يتحرك لأغراض دنيوية، والحصول على الجوائز النقدية، من قبل عبيد الله بن زياد، بالإضافة إلى ذلك، فإن معسكر سيد الشهداء يضم العديد من الصحابة، الذين التزموا جادة الصواب بالوقوف خلف ريحانة الرسول الأكرم، الأمر الذي يعزز البصيرة لدى أصحاب الحسين ، في التضحية بالنفس، وعدم التراجع عن الخيار المتخذ، فالشهيد زياد بن عريب، يخاطب سيد الشهداء بالبشرى العظيمة، وهي الخلود في الجنان، والارتواء من حوض الكوثر، بمجرد نيل الشهادة في ساحة المعركة، مما يكشف مدى الإيمان الكامل، لدى الشهيد بالمصير المنتظر بعد انتهاء المعركة، خصوصا وأن الشهيد زياد بن عريب، على معرفة تامة بنيل شرف الشهادة، نظرا لقلة أعداد معسكر سيد الشهداء ، مقابل الألوف الجرارة، التي تتحفز للزحف على نحو الأمام الحسين ، وإراقة الدماء، حيث يقول ”أبشر هديت الرشد يا ابن أحمد“، إذ لم يقتصر زياد بن عريب، في الشطر الأول من الأرجوزة، على ”البشرى“ وإنما استكمل تلك البشرى بالقول ”يا ابن أحمد“ للدلالة على البصيرة الكاملة، التي يمتلكها للنزول إلى ساحة القتال، فهو لا يتحرك لتحقيق غايات شخصية، وإنما للدفاع عن سبط المصطفى ، والاستعداد للتضحية بالنفس، في سبيل حماية العترة الطاهرة .

بينما يتحدث الشهيد زياد بن عريب، في عجز الأرجوزة، عن السعادة التي ينتظرها كافة الشهداء مقابل الموقف البطولي الذي برز في صحراء الغاضرية، من خلال الدفاع عن ريحانة المصطفى ، فالشهيد المرمل بدمائه في ساحة المعركة، تكون جائزته التنعم فردوس الجنان، وعلو الشأن على بقية الناس في الدنيا، فجسد الشهيد تتلقفه الحور العين في الجنان قبل السقوط على الأرض، وهي من الكرامات التي أعطاها الله سبحانه وتعالى للشهداء، الأمر الذي يفسر علو شأن الشهيد على غيره من البشر، بينما الشهادة في ساحة الطف بجوار سيد الشهداء ، تكون مختلفة تماما عن الشهادة مع غيره، مما يفسر الخلود الأبدي الذي يحظى بها شهداء كربلاء، فهذه المعركة الخالدة ما تزال تتجدد على مر العصور، منذ وقوعها في عام 61 هجرية، بحيث اتسعت دائرة تخليدها لتشمل جميع البلدان بالكرة الأرضية، الأمر الذي يكشف العناية الإلهية لواقعة الطف، بحيث تجاوزت جميع المعارك الإسلامية، التي سجلها التاريخ الإسلامي، فالشهيد زياد بن عريب يتناول في أرجوزته، السعادة الحقيقية التي ينتظرها في جهاده معركة الطف، وبعد السقوط على تراب الطف، فالخلود في الجنان سيكون المصير الحتمي، حيث ستصعد الروح وتهبط وتتلذذ، بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فضلا عن الدرجات العليا في جنان الخلد، حيث يقول ”في جنة الفردوس تعلو صُعدا“.

وتنقل كتب السير أن الشهيد زياد بن عريب الصائدي كان يقاتل قتالا شديدا، لا يحمل على قوم إلاّ كشفهم، ثم يرجع إلى الحسين فيقول له:

أبشر هديت الرشد يا ابن أحمد

في جنة الفردوس تعلو صُعدا

كاتب صحفي