آخر تحديث: 14 / 7 / 2024م - 9:05 م

الجمال

محمد العلي * مجلة اليمامة

أنت حين تمر عليك كلمة «الجمال» تشعر بأن سمعك قد امتلأ باحتشاد الأزهار فيه، ورحت، بنشوة فائضة، تنشد قول الشاعر أحمد الصافي النجفي «ليس عيناي لي بكافيتين / فوق عيني أبتغي ألف عين» وتتراقص أمامك أمواج بحر تود أن يمنحك لؤلؤه بدون محار. وتتغرغر بزرقته «تغرغر الضوء بفسقية» كما يقول نزار. ولكن هل سألت نفسك يوما ما، ما هو الجمال؟ كلا. أنت لم تسأل، ولا أنا؛ لأننا في سجن الجمال الحسي، أما ذلك السؤال فلا يسرح ويمرح إلا في أذهان من يعشقون السهاد، بلا طائل، كالفلاسفة، والناذرين أنفسهم لقطف الثمار من الهواء؟ ومن هؤلاء تولد علم من أكثر العلوم إشراقا ومنادمة للوجدان وهو ما يسمونه «علم الجمال» ومن هنا نشأ الجمال الفني.

أجمل تعريف للجمال الحسي ما قاله الجاحظ: «إن أمر الحسن أدق وأرق من أن يدركه كل من أبصره» أما الجمال الفني، فإن أروع تعريفاته قول الفيلسوف كانط: «الفن ليس تمثيلا لشيء جميل، وإنما هو تمثيل جميل للأشياء» دعنا الآن نجرب: لنقرأ قول العباس بن الأحنف «يزيدك وجهها حسنا / إذا ما زدته نظرا» هنا نجد الجمال الحسي والجمال الفني معا، فأيهما يترك في الوجدان موقدا أكثر جمرا من الآخر، الوجه أم التعبير عنه؟ أعتقد بأن 90% من الناس إذا مر البيت الشعري على سمعه، جعل أصابعه في أذنيه، وراح يحدق في الفضاء لعله يرى الوجه وحده بلا ابن الأحنف ولا يحزنون. أما الذين يرون بقلوبهم، فهم يعرفون أن الوجه جماله ثابت، وأن الفن جعله يتضاعف. وهذا يثبت أن الفن أعمق تأثيرا من الواقع.

ما مر يعتبر جزءا صغيرا من مبحث الجمال وعلم الجمال، وهو يكفينا عن الخوض في الأعماق حتى الغرق. لندعم إذن، يتجادلون حول هل الجميل جميل في ذاته جمالا موضوعيا، أم أنه ذاتي، نحن نسبغه على الأشياء؟ واعتبار الفن ملجأ نفسيا للإنسان من قسوة الحياة. ولنذهب أنا وأنت إلى مقهى على البحر فيه من «إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا» ولنترك عيوننا تتنقل بين تلك الوجوه ورقص الأمواج منشدين قول أبي تمام: «قال وعيني منه في عينه / راتعة في جنة الخلد / طرفك زان قلت دمعي إذن / يجلده أكثر من حد / فاحمر حتى كدت ألا أرى / وجنته من كثرة الورد».

كاتب وأديب