آخر تحديث: 25 / 7 / 2024م - 4:52 م

أراجيز الطف 38

محمد أحمد التاروتي *

يركز الشهيد سعد بن حنظلة التميمي في أرجوزته، التي ارتجلها بساحة الطف، على توطين النفس على ضرب السيوف والرماح في سبيل الخلود الأبدي، بجنة عرضها السماوات والأرض، حيث الراحة والاستقرار عوضا من العناء والشقاء في الدنيا، فالأبيات تفيض بالإيمان الكامل بالمصير الأخروي، مما يستدعي ترويض النفس على الصبر، والرغبة الصادقة في طلب الخير، وعدم الجزع من الموت في سبيل الجنة، التي تمثل الغاية الكبرى لكل مسلم.

يبدأ الشهيد سعد بن حنظلة في أرجوزته، بالقدرة على تحمل جميع الجراحات بالسيوف، في ساحة المعركة، وكذلك امتلاك الإرادة الصلبة والجسد القوي، لاستقبال الطعنات بالرمح، خصوصا وأن هذه الجروح ستتلاشى بمجرد خروج الروح من الجسد، حيث يستخدم مفردة ”صبرا“ التي تكشف الاستعداد النفسي والجسدي، للوقوف في وجه سيوف الأعداء، وعدم الخوف من رماح الطرف المقابل، فهو يمتلك روحا قادرة على امتصاص كافة الأوجاع، وكذلك عدم الالتفات إلى الجروح الناتجة، عن منازلة الأعداء في ساحة المعركة، لاسيما وأن الإرادة الصلبة التي يمتلكها قادرة على التنكيل بالأعداء، وعدم الخوف من السيوف المشرعة، والرماح المرفوعة، حيث يقول ”صبراً على السيوف والأسنّة“.

يواصل الشهيد سعد بن حنظلة، في عجز البيت الأول من الأرجوزة، استخدام مفردة ”الصبر“ ولكنها في المرة الثانية وظفت بطريقة مغايرة تماما، فهي تعطي دلالة واضحة على التحفز الدائم والمستمر للتحمل، وعدم الاستسلام في مواجهة الجيش الأموي، فكلمة ”الصبر“ تبعث في النفس القوة والقدرة، لعدم الالتفات إلى الأمور الصغيرة، خصوصا وأن الصبر في مقاتلة العدو في ساحة المعركة، جائزته كبيرة للغاية، حيث الدخول في الجنة، وترك الدنيا الزائلة، ومن ثم فإن الشهيد استطاع تحديد غايته، وهدفه السامي باستخدام مفردة بسيطة، ولكنها قادرة على تحديد المصير الذي ينتظر المقاتل، في معركة الطف، فهو على يقين كامل بالخلود الدائم في الجنان، لاسيما وأنه يحمل السيف لنصرة سيد الشهداء ومما يعني أن تحمل ضربات السيوف، وطعنات الرماح، يبقى ثمنا ضئيلا مقابل ثمن الجنة، حيث يقول ”صبراً عليها لدخول الجنة“

بينما يتحدث في الشطر الأول، من البيت الثاني من الأرجوزة، عن النعيم الذي ينتظره في الجنان، حيث تحوي لا عين رأت ولا أذن سمعت، بالإضافة إلى ما تشتهي النفس من ملذات كثيرة، فالشهيد بمجرد سقوطه في ساحة المعركة، تستقبله ”حور العين“، الأمر الذي يحفز على القتال لنيل شرف الشهادة، باعتبارها الطريق نحو التنعم بمختلف الملذات في الجنة، خصوصا وأن ملذات الدنيا زائلة مهما طال الزمن، مما يستدعي الاجتهاد والعمل على الفوز بالملذات الأخروية، حيث تمثل ”حور العين“ إحدى الملذات الأخروية، بخلاف الكثير من الأمور، التي يصعب على البشر تصورها أو تخيلها، فالشهيد سعد بن حنظلة حريص على الاختيار الصحيح، وعدم الانخداع بالشهوات الدنيوية، من خلال الإقدام على الشهادة بنفس طائعة، وعدم التردد أو الخوف، من استقبال السيوف في ساحة المعركة، من أجل الفوز بالجنة، والاستمتاع بمختلف أنواع الملذات الأخروية، وفي مقدمتها ”حور الحين“، حيث يقول ”وحور عينٍ ناعماتٍ هنّهْ“.

ويركز في عجز البيت الثاني من الأرجوزة، على الراحة الأبدية في الجنان، من خلال تحفيز النفس على التحمل، لفترة قصيرة في ساحة المعركة، فمعركة كربلاء الطريق السريع، والمضمون للحصول على الشهادة، والخلود في الدنيا والآخرة، بالإضافة لذلك، فإن الوقوف حتى النفس الأخير، في نصرة الإمام الحسين شرف كبير، الأمر الذي يستدعي الاجتهاد، وعدم التراخي والتواني، في حمل السيف، وقطع رقاب الأعداء، خصوصا وأن الاستبسال في المعركة تكون نتائجه السعادة، والراحة التامة في الآخرة، نظرا لوضوح المعركة التي يخوضها سيد الشهداء ، ضد الجيش الأموي، مما يشجع المقاتل على تقديم النفس رخيصة، في نصرة الحق الذي يدعو إليه الإمام الحسين ، ضد الباطل الذي يمثله الجيش الأموي، وبالتالي فإن مصير شهداء أنصار سيد الشهداء الجنان، والراحة الأبدية، والنار والشقاء والخزي والعار مصير الجيش الأموي، حيث يقول ”يا نفس للراحةِ فاجهدنَّهْ“.

ويختم الشهيد سعد بن حنظلة، أرجوزته بالشطر الأخير، بحث النفس على طلب الخير، وعدم الجزع من الآلام المصاحبة، لهذه الغاية الكبرى، فطلب الخير في الغالب محفوفا بالكثير من المتاعب والأشواك، التي تعترض الطريق، الأمر الذي يستدعي توطين الذات على تلك المصاعب، وعدم التراجع على الإطلاق، خصوصا وأن السعادة والراحة التامة ثمن تحمل تلك الآلام والصعوبات على اختلافها، فالمرء المؤمن قادر على تجاوز جميع العراقيل، وتحمل ضربات السيوف وطعنات الرماح في سبيل الحق، وعدم التنازل على القيم والمبادئ التي يحملها، الأمر الذي يتمثل في الاستعداد للموت في سبيل الدعوة الإسلامية، فالشهيد سعد بن حنظلة أبدى الاستعداد التام لمنازلة الأعداء، والوقوف ساحة المعركة، لتلقي مختلف أنواع الضربات في سبيل نيل الشهادة، باعتبارها ”الخير“ الذي يجتهد المسلم على امتلاكه في الدنيا، بينما معركة الطف تختلف عن المعارك الأخرى، فهي الفيصل بين الخير والشر، حيث يمثل سيد الشهداء الخير، بكل ما تحمل الكلمة من معنى، والجيش الأموي يناصر الشر بكل شروره، فالشهيد سعد بن حنظلة يعتبر يوم عاشوراء الفيصل، والفرصة الوحيدة لركوب سفينة الخير، والفوز بالجنة، حيث يقول ”وفي طلاب الخير فارغبنَّه“.

وتنقل كتب السير أن الشهيد سعد بن حنظلة التميمي برز إلى ساحة المعركة في كربلاء وهو يرتجز قائلا:

صبراً على السيوف والأسنّهْ
صبراً عليها لدخول الجنّهْ
وحور عينٍ ناعماتٍ هنّهْ
يا نفس للراحةِ فاجهدنَّهْ
وفي طلاب الخير فارغبنَّه

كاتب صحفي