آخر تحديث: 25 / 7 / 2024م - 4:48 م

أراجيز الطف 37

محمد أحمد التاروتي *

أرجوزة الشهيد إبراهيم بن الحصين الأسدي، «بتسكين السين»، التي ارتجلها في يوم عاشوراء، تفيض منها الشجاعة بكل ما تحمل الكلمة، من معان ودلالات، فالأبيات تحمل في طياتها مفردات الوعيد للجيش الأموي بقطع المفاصل، وبتر السيقان، من خلال إراقة الدم كالأنهر من كثر سيلانها، من أعناق وأجساد الأعداء، بالإضافة لذلك فإن الأرجوزة تتضمن السعادة بالموت في سبيل منازلة الجيش الأموي، خصوصا وأن الشهادة تحت لواء الإمام الحسين ، شرف لا يناله سوى القلة القليلة، ممن اختارها الخالق لنصرة البقية الباقية من العترة الطاهرة .

يبدأ الشهيد إبراهيم بن الحصين الأسدي، في الشطر الأول من الأرجوزة، بالحديث عن قدرته الفائقة باستخدام السيف والرمح، والمهارة منقطعة النظير في التسلط على رقاب، ومفاصل، والسيقان، دون رحمة أو هوادة، من خلال استعارة مفردة ”اضرب“، التي تحمل معنى واضحا وصريحا، بهدف إعطاء صورة واضحة للعدو، من خطورة الوقوف أمامه، فالرحمة على العدو ليست موجودة على الإطلاق، ومن ثم فإن الموت يمثل المصير المحتوم، لكل شخص تسول له نفسه للوقوف أمامه، حيث سيجد العدو نفسه مقطعا إلى أجزاء، فهو لا يتردد عن قطع المفاصل، ولا ترف له جفن في بتر مختلف أجزاء أجساد الأعداء، بهدف إرسال تلك الأجساد إلى جهنم، فقطع المفاصل والسقيان فكما يكشف لشجاعة وقوة القلب في التعامل مع الأعداء، فإن الإصرار على استخدام هذه المفردات ”الدموية“، يستهدف إصابة العدو بالشلل التام، من مواصلة الجور والظلم، وقطع الطريق أمام الجيش الأموي، من الاستمرار في ارتكاب قتل النفس المحترمة، وفضلا عن المشاركة في قتل سبط المصطفى ﷺ، حيث يقول ”أضرب منكم مفصلاً وساقا“.

يواصل الشهيد إبراهيم بن الحصين الأسدي، في عجز البيت الأول من الأرجوزة، إبراز شجاعته لدى الجيش الأموي، من خلال استخدام مفردات ذات دلائل واضحة، التي تمثل القدرة على إسالة الدماء على الأرض، بحيث تتحول ساحة المعركة إلى نهر جار، الأمر الذي يعطي دلالة على الاستعداد التام، للوقوف أمام الجيش الأموي، فالسيف الذي يمتلكه قادر على الوصول إلى أعناق الأعداء، في جيش عمر بن سعد، لاسيما وأن استخدام مفردة ”يهرق“، دلالة واضحة على كثرة سيل الدماء، التي تمثل زيادة القتلى في صفوف الجيش الأموي، وبالتالي فإن الأرجوزة تكشف القدرة الكبيرة على تطويع الكلمات، في إدخال الرعب والخوف في قلوب العدو، لاسيما وأن الخوف من الموت سمة من سمات طلاب الدنيا، مما يدفع لمحاولة تفادي الاشتباك مع طالبي الآخرة والجنان، فالشهيد إبراهيم بن الحصين حرص على إيصال رسالة واضحة للعدو، بأن الموت سيكون المصير الوحيد، نتيجة تحويل ساحة الطف إلى اللون الأحمر، جراء كثرة قطع الرقاب، حيث يقول ”ليهرق اليوم دمي إهراقا“.

فيما يحمل الشطر الأول من البيت الثاني من الأرجوزة، الاستعداد التام للإقبال على الموت بنفس راضية ومطمئنة، فالشهادة تحت لواء سيد الشهداء فخر كبير، وشرف لا يناله سوى قلة امتحن الله قلبها بالإيمان، خصوصا وأن الخوف من الموت لا يدخل القلوب المؤمنة، والمتعلقة بالخالق على الدوام، فيما العصاة يخافون من الموت، الأمر الذي يفسر فرار غالبية الجيش الأموي، من مواجهة الأبطال في معسكر سيد الشهداء ، فالشهيد إبراهيم بن الحصين يتمنى الموت في ساحة القتال، من خلال الإقبال على العدو بكل قوة، الأمر الذي يسهم في تقريب هذه الأمنية بين لحظة وأخرى، بالإضافة لذلك، فإن الموت ليس هدفا بحد ذاته، وإنما يمثل وسيلة للفوز برضوان الله، والدخول في الجنان، وبالتالي فإن الإيمان الكامل بالثواب الجزيل، كما أن عاقبة الخير تعطي المرء المؤمن الحافز الكبير، لطلب الموت في ساحة القتال، عوضا من الهروب والفرار من الموت، الذي لا مهرب منه على الإطلاق، حيث يقول ”ويرزق الموت أبو إسحاقا“.

يختم الشهيد إبراهيم بن الحصين، في عجز البيت الثاني من الأرجوزة، غايته من الضرب بالسيف بساحة المعركة، والمتمثلة في إيصال رسالة واضحة لجيش عبيد الله بن زياد، الكلمات في الشطر الأخير تتضمن أن الهدف من الضرب بالسيف وإراقة الدماء ليس للتلذذ بإزهاق الأرواح، أو لأحقاد شخصية، أو لأسباب دنيوية، وإنما تكمن الغاية الحقيقية في معارضة أمير الكوفة، حيث يستخدم مفردات دقيقة في وصف عبيد الله بن زياد، من خلال إدخال ”بني الفاجرة“، بالإضافة لذلك، فإنه - الشهيد - حرص على وصف عبيد الله بن زياد بـ ”الفاسق“، للدلالة على المعرفة التامة بنوايا أمير الكوفة، وعدم تورعه عن ارتكاب أفظع الجرائم، نظرا لافتقاره للإيمان، والورع الذي يمنعه من الإقدام على قتل سبط المصطفى ، وبالتالي فإن وقوف الجيش الجرار خلف ”الفاسق“ ينم عن الأطماع الدنيوية، التي تحرك معسكر عمر بن سعد، فيما تقف القلة القليلة من أنصار الإمام الحسين في الدفاع عن سبط المصطفى ، التي يمثل القيم الإسلامية والمثلى الفاضلة، التي ينادي بها الرسول الأكرم ﷺ، الأمر الذي يكشف الفوارق الكبير، بين فريق يتحرك بأطماع دنيوية، وفريق يضع رضوان الله في جميع حركاته وأعماله، حيث يقول ”أعني بني الفاجرة الفساقا“.

وتنقل كتب السير أن الشهيد إبراهيم بن الحصين برز للقتال وكان يرتجل وهو يقول:

أضرب منكم مفصلاً وساقا
ليهرق اليوم دمي إهراقا

ويرزق الموت أبو إسحاقا
أعني بني الفاجرة الفساقا

كاتب صحفي