آخر تحديث: 21 / 7 / 2024م - 7:57 م

أراجيز الطف 34

محمد أحمد التاروتي *

تمحورت أرجوزة الشهيد عبد الله بن علي بن أبي طالب، في يوم عاشوراء، على ذكر بعض مناقب والده سيد الأوصياء ، حيث تحمل الأبيات تلك المناقب من خلال استخدام صيغة ”الأفضل“، على مختلف الكلمات المستخدمة في تلك الأبيات الشعرية، الأمر الذي يكشف القدرة الكبيرة في تطويع المفردات، بالاتجاه الصحيح دون تكلف على الإطلاق، كما إن التركيز على بعض من مناقب الإمام علي عنصر أساسي، في وضع الجيش الأموي في الصورة الكاملة، بخصوص هوية المقاتل المتقدم نحو المعركة.

ينطلق الشهيد عبد الله بن علي بن أبي طالب، في الشطر الأول من الأرجوزة، بالتعريف بالذات والتركيز على هويته السامية والرفيعة، من خلال الانتساب إلى أبيه إمام المتقين ، فهو لم يذكر اسمه على الإطلاق أمام الجيش الأموي، وإنما استفاد من اسم والده الذي ذاع صيته، في مختلف القبائل العربية، وذلك بالتزامن مع انحداره إلى ساحة المعركة بأرض كربلاء، حيث حرص على اختيار الكلمات ذات الوقع السريع على العدو، بهدف إدخال الرعب والخوف في النفوس، إذ استخدم المفردات الدالة على الشجاعة والقوة، لإيصال رسالة واضحة تتمحور في امتلاك ذات الصفات، التي ورثها من أبيه الإمام علي ، فالأبيات تتضمن مفردة ”ذي النجدة“، التي تحمل الكثير من المعاني، ولعل أبرزها الشجاعة في القتال، وعدم التردد أو الخوف من الوقوف، في وجه أقوى الأبطال بساحة النزال، وكذلك فإن الشهيد عبد الله بن علي بن أبي طالب، استخدم كلمة ”الأفضال“ والتي تحمل في طياتها معان عديدة، منها صاحب الإحسان ابتداء، وكذلك الإحسان دون مقابل، الأمر الذي يعطي صورة ناصعة البياض، عن بعض مناقب وصي رسول الله ﷺ، حيث يقول ”أنا ابن ذي النجدة والافضال“.

ويستطرد الشهيد عبد الله بن علي بن أبي طالب، في عجز البيت الأول، في ذكر المزيد من مناقب والده، بوصفه ”علي الخير“، حيث غطت أفعاله ”الخيرة“ الجميع، فوالده يبادر إلى تقديم مختلف أعمال الخير دون منة أو خوف، كما يشتمل الشطر الثاني على مفردة ”ذو الفعال“، والتي تتضمن العديد من المعاني، ذات الوقع الكبير على الأذان، فهذه المفردة تحتوي على الاستعداد التامة على تقديم الأفعال الخيرة، دون النظر إلى رد الجميل من الآخرين، فأعمال الخير تسري في دماء العترة الطاهرة، بالإضافة لذلك، فإن مفردة ”ذو الفعال“ لا تقتصر معانيها على أعمال الخير، وإنما تحتوي على جانب من الشجاعة، فوالده يخوض الحروب بشكل شجاعة وإقدام، حيث شهدت جميع الحروب التي اشترك بها، ”الفعال“ الكبيرة في مواجهة الأبطال، وبالتالي فإن الشهيد عبد الله بن علي بن أبي طالب، يستعير المفردات ذات المضامين المتعددة، في إيصال أكثر من رسالة إلى الجيش الأموي، فمن جانب التركيز على بعض مناقب سيد الأوصياء ، من جانب آخر الاستفادة من تلك المفردات في بث الرعب، بنفوس جنود الجيش الأموي، المتحفز للقتال في يوم عاشوراء، حيث يقول في العجز ”ذاك علي الخير ذو الفعال“.

ويستكمل الشهيد عبد الله بن علي بن أبي طالب في أرجوزته، سرد بعض مناقب والده الإمام علي ، حيث يركز على الدور الذي لعبه والده، في إعلاء كلمة الإسلام في الجزيرة العربية، من خلال الوقوف إلى جانب رسول الله ﷺ، في جمع مراحل الدعوة الإسلامية، حيث مثل والد اليد الضاربة للرسول ﷺ في مختلف الحروب، التي خاضها ضد كفار قريش، وكذلك ضد اليهود، سواء في خبير أو غيرها، فالشهيد عبد الله بن علي بن أبي طالب، يصف والده بـ ”السيف الحاد“ الذي يمسكه الرسول الأكرم ﷺ، خصوصا وأن المعارك الذي خاضها سيد الأوصياء بكافة الحروب، التي خاضها الرسول ﷺ، ساهم في حسمها وإعلان الانتصار، ولعل معركة الخندق خير شاهد على ذلك، وكذلك معركة خبير، وقبلها معركة بدر، حيث استخدم مفردة ”ذو النكال“ التي تحمل معاني عديدة، ولعل أبرزها ”السيف الحاد“، مما يضيء على الدور الكبير، الذي لعبه الإمام علي في حياة الرسول ﷺ، بمختلف المعارك حتى وقف الإسلام على رجليه، وبالتالي فإن الشهيد عبد الله بن علي بن أبي طالب، يستهدف من وراء إبراز صفة الشجاعة في والده، إدخال الخوف والوجل في نفوس الجيش الأموي، نظرا لتوارث هذه الصفة، وهي صفة ليست مقصورة على فرد من بني هاشم دون غير، فعشيرة بني هاشم معروفة بالإقدام والشجاعة، وعدم الخوف في الحروب على الإطلاق، حيث يقول ”سيف رسول الله ذو النكال“.

ويواصل الشهيد عبد الله بن علي بن أبي طالب، في عجز البيت الثاني، مشوار مناقب والده للتعريف بعلو شأنه، من خلال استخدام مفردات بسيطة، ولكنها ذات وقع قوي على الأسماع، فالشجاعة التي أظهرها بالوقوف خلف رسول الله ﷺ، لإعلاء كلمة التوحيد في جزيرة العرب، تمثلت في الكثير من المواقف، والعديد من المناسبات، بحيث لا يمكن مقارنة تضحياته الجسام بالآخرين على الإطلاق، فالإيمان الذي خالط دم ولحم سيد الأوصياء، دفعه للمخاطر بالنفس، كما شجاعته الكبيرة أدخلت في نفوس الأعداء الرعب والخوف، فأبطال العرب يخافون من الوقوف أمامه في الحروب، خصوصا وأن الموت سيكون مصير كل من تسول له نفسه، رفع السيف في وجه بطل الإسلام الخالد، نظرا لما صنعه بجميع الأبطال في كافة الحروب، سواء عمر بن ود العامري في معركة الخندق، أو مرحب بن الحارث في معركة خبير، فالشهيد يستعير هذه المنقبة من والده في بث الرعب والخوف، بنفوس جيش عبيد الله بن زياد، خصوصا أن الجيش على معرفة تامة بالكثير من التفاصيل، التي سطرها والده في كافة المعارك التي خاضها، لاسيما وأن الحروب التي قادها والده وهي معارك ”الجمل“ و”النهروان“ و”صفين“، قريبة العهد بالكثير من المنخرطين في جيش عمر بن سعد، والبعض منهم اشترك في تلك الحروب، مما يعني جزءا من الجيش الأموي يدرك البطولة، التي يمتاز بها أولاد سيد الأوصياء في المعارك، حيث يقول ”في كل قوم ظاهر الأهوال“.

وفي هذا الصدد تنقل كتب السيرة أن الشهيد عبد الله بن علي بن أبي طالب ارتجز عند نزوله ساحة القتال في الطف قائلا:

أنا ابن ذي النجدة والافضال
ذاك علي الخير ذو الفعال

سيف رسول الله ذو النكال
في كل قوم ظاهر الأهوال

كاتب صحفي