آخر تحديث: 25 / 7 / 2024م - 3:54 م

أراجيز الطف 33

محمد أحمد التاروتي *

يستهل الشهيد جعفر بن علي بن أبي طالب أرجوزته، في يوم عاشوراء، بالافتخار بالنفس بوصفها بإحدى الصفات الحميدة وهي الشرف والرفعة والمكانة السامية، معللا ذلك بانتسابه إلى الإمام علي بن أبي طالب صاحب الخير والعطاء الكثير، كما تتضمن الأرجوزة الاعتزاز بصلة القرابة بجعفر الطيار، المعروف بالشجاعة والقوة، بالإضافة إلى ذلك فإنه لا ينسى الغاية من النزول إلى ميدان المعركة، وهي حماية الإمام الحسين ، صاحب الفضل والسخاء والكرم.

يركز الشهيد جعفر بن علي بن أبي طالب، في الشطر الأول من الأرجوزة، على المكارم الحميدة والأخلاق الفاضلة، التي يمتاز بها، كونه سليل سيد الأوصياء ووالده ابن عم المصطفى ﷺ، فهو ورث تلك القيم الأخلاقية من أبيه، فقد تربى في حضن الإسلام، وشرب من جميع المبادئ والمعالي، فالثبات في الحروب، وعدم الفرار، إحدى الصفات الكثيرة، التي ورثها من أبيه بطل الإسلام الخالد، فالشهيد بدأ أبياته الشعرية بالتعريف بالذات، لوضع الجيش الأموي في الصورة الكاملة، عن هوية البطل القادم إلى ساحة المعركة، فهو لا يمتلك الشجاعة، والإقدام على منازلة الأبطال، والقدرة على الخوض في وسط الجيش فقط، وإنما يمتاز بالشرف الرفيع، والمكانة السامية، نظرا لانتسابه إلى الإمام علي ، وهذا الشرف كبير، حيث يقول ”إِنِّي أَنَا جَعْفَرٌ ذُو الْمَعَالِي“.

فيما يواصل الشهيد جعفر بني علي بن أبي طالب، قدرته البلاغية، واختيار الكلمات بدقة متناهية، حيث يحمل عجز البيت الأول من الأرجوزة، جانبا من الصفات الكثيرة التي يحملها المرتضى ، فالخير الكثير يجري على يديه، ويمتاز بالعطاء الكثير دون الخشية، أو الخوف من الفقر، فالعرب يقرون لسيد الأوصياء بالإنفاق على الجميع، فالشهيد يذكر الجيش الأموي بالسيرة العطرة للإمام علي ، فالسنوات التي قضاها في الكوفة، إبان خلافته امتازت بالعطاء على الجميع، وبالتالي فإن الإقدام على قتل أبنائه، والوقوف في وجه سبط المصطفي ، ليس من المروة أو الوفاء لشخصية، بذلت نفسها في سبيل نشر العدل، وتطبيق المساواة على الجميع، فالعطاء في زمن خلافة سيد الأوصياء لا يشمل مسلما دون آخر، فضلا عن العطاء الكثير من حر المال على المحتاج، ومن ثم فإن الكلمات القليلة في الشطر الثاني من البيت الأول، تحمل في طياتها التقريع للجيش الأموي، جراء الوقوف في وجه أبناء شخصية، طالما اتصفت بكثرة العطاء، بالإضافة إلى الافتخار بهذه الشخصية، التي لم يعرف التاريخ الإسلامي، مثلاً لها على الإطلاق، حيث يقول ”ابْنُ عَلِي الْخَيرِ ذُو النَّوَالِ“.

ويتطرق الشهيد جعفر بن علي بن أبي طالب، في الشطر الأول من البيت الثاني، إلى شخصية والده، باعتباره ”الوصي“ الذي نص عليه الرسول ﷺ في الكثير من مناسبات، وكذلك الأحاديث المتواترة، التي تدعم خلافته بعد الرسول، وبالتالي فإن الجيش الأموي المتحفز لقتال سبط المصطفي ، يخالف وصية الرسول ﷺ، في مناصرة الخليفة المنصوص عليه، خصوصا أن الإمام الحسين يمثل الامتداد الطبيعي للعترة الطاهرة، فالكلمات المتضمنة في الشطر الأول، لا تقتصر على التذكير بالوصي، وإنما تستكمل بعض المزايا والصفات، التي استفرد بها الإمام علي ، وهي الرفعة والعلو عن الجميع، باستثناء رسول ﷺ، فمكانة الوصي تتجاوز الجميع، فضلا عن التضحيات الجسام التي قدمها في سبيل إعلاء كلمة التوحيد، فقد لازم الرسول ﷺ في الدعوة الإسلامية، ولم يتخلف عن تلبية النداء في جميع المواقف، حيث بقي جنديا فدائيا على الدوام، وبالتالي فإن الصفات التي امتاز بها الإمام ”علي“، توارثها الأبناء على الدوام، فالمعركة المستعرة حاليا بين الجيش الأموي، وسبط المصطفي في أرض كربلاء، تستحق التضحية والفداء في سبيل نصرة الإسلام، فليس هناك تردد أو خوف، في الإقدام على مواجهة الجور والظلم، الذي يمثله جيش عبيد الله بن زياد، إذ يقول ”ذَاكَ الْوَصِي ذُو السَّنَا وَ الْوَالِي“.

وينتقل في عجز البيت الثاني من الأرجوزة، بالتذكير بالشجاعة الكبيرة، التي يتوارثها أبناء ”أبي طالب“، فالبأس وخوض الحروب ليس مقتصرا على أبيه الإمام علي ، وإنما عرف به كذلك عمه ”جعفر“، الذي عرف المسلمون بطولاته الكثيرة، ولعل أبرزها في المعركة التي خاضها ضد جيش الروم في الأردن، فجيش الروم الجرار لم يدخل الخوف في قلب عمه جعفر الطيار، حيث شهدت المعركة مواقف بطولية، ما تزال تتناقل على الألسن، مما أدى إلى قطع يديه في تلك المعركة، وبالتالي فإن الشهيد جعفر بن علي بن أبي طالب، يتخذ من عمه مثالا يقتدي به في البسالة والقوة، والاستعداد للشهادة في سبيل الله، فعمه جعفر الطيار يعطيه العزيمة والقوة، لمواجهة الجيش الأموي الجرار، خصوصا وأن القلة القليلة في معسكر سيد الشهداء ، ليست سببا للتراجع أو التخلي عن شرف الشهادة، فالمواقف البطولية لجعفر الطيار تعطي زخما قويا، على الثبات والتمسك بالخيار المتخذ، وعدم القبول بالذل والاستسلام على الإطلاق، حيث يقول ”حَسْبِي بِعَمِّي جَعْفَرٍ وَ الْخَالِ“.

ويتناول في الشطر الأخير من الأرجوزة، الغرض الكامن وراء حمل السيف، والنزول في ساحة المعركة، حيث يختصر ذلك في ”احمي حسينا“، فهو لا يحارب لأغراض دنيوية، أو لمصالح شخصية، أو نتيجة نوازع عشائرية أو عصبية، وإنما ينطلق من دوافع مبدئية وإسلامية راسخة، فالدفاع عن سيد الأوصياء واجب ديني، انطلاقا من الالتزام بوصية الرسول ﷺ، بالدفاع عن العترة الطاهرة، حيث قال الرسول في وصيته الأخيرة ”أوصيكم بأهل بيتي خيرا“، وبالتالي فإن الاستشهاد في سبيل حماية سبط المصطفى ، شرف في الدنيا والآخرة، بينما الخزي والعار نصيب كل من يشارك في سفك دماء العترة الطاهرة ، بالإضافة لذلك فإن الشهيد جعفر بن علي بن أبي طالب، يتناول بعض ملامح صفات الإمام الحسين ، حيث يصفها بـ ”الكرم والسخاء“ و”كثيرة الفضل“، فالقاصي والداني في الأمة الإسلامية، يقر بهذه الصفات لسيد الشهداء فكل من عاش أو اقترب من الإمام الحسين ، لمس فيه من الصفات ما يعجز اللسان عن حصرها، حيث يقول ”أَحْمِي حُسَيناً ذَا النَّدَى الْمِفْضَال‏“.

في هذا الصدد تنقل كتب السير التاريخية، أن جعفر بن علي بن أبي طالب ارتجز عندما برز في ساحة المعركة في يوم عاشوراء قائلا:

إِنِّي أَنَا جَعْفَرٌ ذُو الْمَعَالِي
ابْنُ عَلِي الْخَيرِ ذُو النَّوَالِ
ذَاكَ الْوَصِي ذُو السَّنَا وَ الْوَالِي
حَسْبِي بِعَمِّي جَعْفَرٍ وَ الْخَالِ
أَحْمِي حُسَيناً ذَا النَّدَى الْمِفْضَال‏

كاتب صحفي