آخر تحديث: 20 / 5 / 2024م - 5:03 م

الحسين وحقوق الإنسان

أمير بوخمسين

قام الحسين رضوان الله عليه من أجل كرامة الإنسان وحريته، ومن أجل ترسيخ وتوثيق كافة العهود التي أكدتها الشرائع السماوية، والتي أيدها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لاحقاً. وهذا ما دعا إليه عبر حركته المشهودة تاريخياً، والتي دونّها القاصي والداني من مختلف الأمم والشعوب وتم توثيقها في أمهات الكتب والدراسات والأبحاث. إن نهضة الحسين كانت منارة وطريقاً للخلاص لكافة الشعوب المقهورة من نير الاستغلال والاضطهاد والعبودية. ولعلنا نجد في حركته هذه تجسيداً لمواد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تجسّداً عملياً من خلال أحداثها، ودليلاً على عدالة القضية وأحقيتها وإنسانيتها، وهو ما ترجمه من خلال خطبه وكلماته عندما دعا فيها أصحابه وأعدائه. ومن أهم الحقوق التي أشار إليها في نهضته والتي أقرتها شريعة السماء:

حق الحياة وكرامة الإنسان:

حياة الإنسان وكرامته وسلامته مطلب حضاري وبشري، بحيث لا يجوز المساس بها إلا في أضيق الحدود قانونياً. ومعرفة حق الكرامة التي تعني الشرف والعزّ التي تشكل منشأ لاحترام أي موجود. وفي هذه المادة التي تعتبر الأولى في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أكدت على الحرية والكرامة، وأكدت على حالة التميّز لدى الإنسان عن سائر المخلوقات عندما خصته بامتلاكه العقل، والضمير وأنه لا تمييز بسبب العرق واللون والجنس واللغة أو الدين، أو الآراء أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الوضع الاقتصادي أو المولد. وهذا ما نصّت عليه المادة الأولى. وتذكر المادة الثانية: «لكل إنسان أن يتمتع بالحقوق والحريات الواردة في الإعلان دون أي تمييز». وقد أكد الحسين في خطبه على ترسيخ الكرامة من خلال أقواله «لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أفرّ فرار العبيد». قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى? وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ الحجرات «13». ومبدأ المساواة كان مثالا حياً في نهضته عندما ساوى بين جون العبد الأسود وبين الغلام التركي واضح بن أسلم، وبين ولده علي الأكبر.

حق حرية المعتقد والرأي:

حرية الرأي والعقيدة ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى? لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ البقرة «256». وفي آية أخرى ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ الكافرون «6». تعتبر الحياة حقاً أساسياً من حقوق الإنسان، وحق الحياة مقدس، فلكل فرد حق العيش معززاً مكرماً سعيداً في حياته، لذلك جاءت الدساتير والقوانين، لحفظ النفس البشرية من الفناء والاندثار. إذ الحياة هبة من الخالق عزّ وجل، فقتل الإنسان بغير حق محظور، أياً كان الإنسان، أسوداً أو أبيضاً، صغيراً أو كبيراً، حيث نصّت معظم القوانين والدساتير على حق الحياة كأمر مقدس. وكذلك حرية الرأي والمعتقد، يقول الإمام علي «لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً» ويقول الحسين «إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحرارا في دنياكم». وجاء في المادة الثالثة: «لكل فرد حق الحياة والحرية، وفي الأمان على شخصه». كما جاء في المادة الثامنة عشر: «لكل شخص حق في حرية الفكر والوجدان والدين»، وفي المادة التاسعة عشر «لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير».

حق حرية التنقل والإقامة واللجوء:

في طريقه إلى كربلاء أعترض طريقه الحر بن يزيد الرياحي، الذي دار حوار بينه وبين الحسين، من أجل السماح له بالعبور، وهو كان مُرسل من قبل والي الكوفة عبيد الله بن زياد آنذاك، ليقطع الطريق عليه حتى يجبره للدخول للكوفة، وبعد حوار طويل أقنعه بأن يعطيه حرية التنقل حيث نزل بكربلاء، فقد كفل الإسلام حق اللجوء ومنح الأمان للمشركين فقال تعالى ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى? يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَ?لِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ التوبة «6». وفي المادة الثالثة عشر «1- لكل فرد حق في حرية التنقل، وفي اختياره محل إقامته داخل حدود الدولة. 2- لكل فرد حق في مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده، وفي العودة إلى بلده».

حق المساواة:

قال رسول الله ﷺ: «لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى» و«كلكم لآدم وآدم من تراب» وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى? وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ الحجرات «13». وقد ضرب لنا الحسين مثالاً يحتذى به في المساواة حيث قام بحمل الكثير من الأنصار وأهل بيته ولم يميز بين وهب بن حباب الكلابي وهو نصراني أسلم على يديه وبين أولاده أو أنصاره بل حتى جون وهو عبد أسود حضر عنده. في المادة الأولى «يولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق، وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضاً بروح الإخاء». فالبشر في كل أقطارهم أسرة واحدة، مخلوقون من نفس واحدة، متساوون في الكرامة الإنسانية وفي أصل التكليف والمسؤولية.

حق العدالة:

ومن العدل والإنصاف أن الإنسان لا يُقتل ولا تنتهك حرمته إلا بعد محاكمته أمام محكمة تتوافر فيها مقومات المحكمة الشرعية وهذا ما أشار إليه الحسين في خطبته «وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد اسخطتم الله فيه عليكم وأعرض بوجهه الكريم عنكم وأحل بكم نقمته فنعم الرب ربنا وبئس العبيد أنتم». وتأكد المادة السابعة «الناس جميعاً سواء أمام القانون، وهم يتساوون في حق التمتع بحماية القانون، دونما تمييز».

حق الملكية الخاصة:

قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا النساء «29». لقد كانت أموال مخيم الحسين وأغراضهم الشخصية يوم العاشر نهباً وهدفا يتبارى عليه الجنود حيث سلبوا ملابس الحسين وقطع أحدهم خنصره ليسلب خاتماً فيه. وفي المادة السابعة عشر «لكل فرد حق في التمليك بمفرده، أو بالاشتراك مع غيره. 2- لا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسفاً». وهكذا نتعلم من الحسين حفيد رسول الله ﷺ الالتزام بجميع جوانب حقوق الإنسان وتطبيقاتها على صعيد الفرد والمجتمع والأمة.