آخر تحديث: 15 / 4 / 2024م - 10:37 م

إيجابيات صناعة الذكاء الاجتماعي.. بين الإحجام والإقدام.. حَدَثٌ وحَدِيْثٌ ”49“

عبد الله أمان

يَحصُر الكثير مِن سَوادّ الناسِ فِكرَهم المَعرِفِي في نتائجِ قياسِ، مَلَكَةِ الذكاءِ العام، المُرتبطةِ بنسبةِ مُعدّلِ مُعاملِ ”الذكاء العقلي“ بالنجاحِ والتفوّق الدراسِيّين، حَسَب سَقفِ ثَقافة العُرفِ السائدِ، عِند الناسِ، غَيرَ آبهين التفاتةً، بامتدادِ طيفِ أنواعِ الذكاء الأُخرى: كالذكاء العاطِفي، والوجداني، والانفعالي، والاجتماعي… ولعلّ الصنفَ الأَخيرَ، هُو الأَشملُ والأَكملُ، الذي تفوحُِ مِن جانبِ صِدغَيهِ رائحةٌ عَبِقةٌ نفاذَةٌ تنتشرُ، في فُسَحِ أوساطِ المُجتمعِ المُتحضّر؛ كَنتيجةٍ تفاعُليةٍ مُعاصرةِ، لِما تَسودُ وتَتبادلُ بين صُفوفِ الأفرادِ والجماعاتِ المُتحاورةِ، مَا يُستَجدّ ويَطرأُ مِن مُعاملاتٍ وتَداولاتٍ شَتّى، تُولدُ أنماطُها المستجَدّة البِكر؛ وتَترَعرَع أصُولُها المُتعدّدَة الوَطَر، عِند مَطلعِ كُلّ شَمسٍ؛ وهذا سَابقُ مَنشأِ دَيدنٍ حَيويٍّ، وشَاهدِ عِيانٍ، لَا خِلاف فيه… والأهمّ الأعمّ، أنْ أُدلِي سِراعًا، بتعريفٍ نَفسيٍّ إِجتماعيٍّ؛ لِيَجِدَ مَكانًا شَاغِرًا؛ ويَستَقرّ في قائمةِ أرشيفِ ذاكرةِ القارئ الكريم؛ لِيضعَ النقاط على رؤوس الحروف؛ للوصولِ المُعجمي المبسّط إلى صِيغةِ إطارٍ لُغويٍّ مَعرفٍيٍّ، يُفصِحُ عّن هُوِيّة المصطلحِ ”الذكاء الاجتماعي“ السائدِ مَسلكًا، والرائدِ مَنهحًا، في مُتّسعَ صَعْدَاتِ أوساطِ المُجتعِ؛ وبهذا يُعرّفُه الدكتور أحمد هارون، الاستشاري في العِلاج النفسي والإدمان، بوضوحٍ: «هو مَهارةُ القدرةِ على تَحسينِ الوضعِ الاجتماعي، في وَسَط الناسَ، بمهاراتٍ وعَلاقاتٍ مُمتدّةٍ ومُستمرّةٍ، تكون في الغالب، مُكتسبةً» *

وفي زَخمِ ذَائقةِ هذا الميلُ والسيلُ مِن، شُيوعِ وذُيوعِ، ثَقافةِ وحَفاوةِ انتهاجِ شُعاعِ ”مِشكاة“ الذكاء الاجتماعي المُضيئةِ، تَتجسّدُ وتتوطّدُ، بطيبِ المعانِي، وتدفّق القوافِي، ورِقّةِ المفاهِيمِ ”البينشخصيةِ“ والجماعيةِ - المَنطُوقةِ مِنها والمَقرُوءةِ - بعَميمِ شِحناتَ مَزاياها المُبهِرةِ، وصَميمِ حُزَمِ آثارِها الذكيةِ، بأَنصع إهداءاتٍ مُجزيةٍ، وأوسع بَريقٍ لَافتٍ أخّاذٍ، يَأسِرُ لَمعانُه الصقِيل، أحداق الأبصارِ؛ ويُبهجُ سُطوعُه مُهج القلوبِ؛ مِن لدُن أفرادٍ برعُوا تَميّزًا، وسادُوا تَفرّدًا؛ وتَفنّنوا صِناعةً؛ وتَفوّقوا بَراعةً في فنّ صِناعةِ مَحَاي الذكاءِ الاجتماعي؛ ليُقدّموا عَبقَ أزهارِ الأَكاليل العطرةِ، في رُبوعِ أطرافِ، وجَوانب مُجتمعهم الحاضِر، بإهداءِ المزيدِ مِن باقاتٍ مِن الورُودِ الفوّاحةٍ اللوّاحةٍ؛ بنثرِ شَذىً ”فَاضحٍ“ مِن رِيحٍ عَليلٍ، مِن قوارير العِطر الملكِي الجذّاب؛ ونشرٍ طَيّبٍ مُماثلٍ مِن أسَفاطٍ زاخِرةٍ مِن أنفس وأثمن جَواهرِ مَكنونةٍ، تَمتدّ بسائرِ تألّقِ حُسنها؛ لتأسر سِحرًا استواء قَصبات الأعناقِ؛ وتُطرِبَ استِلابًا بلَحنِ أنغامِها الجذابة مُستقبلاتُ لذّةِ ذائقةِ المَسامعِ الفاخرةِ…!

وتَبدُو بَارقاتُ مُؤشرات الشواهدِ جليّةً واضِحةً، في أنّ تنميةَ وتطويرَ أُسس نهجِ المهاراتِ الاجتماعيةِ الذكّيةِ، تَنمو وتُصقل عَفَويًا، عَن طريق التعلّم الذاتِي، والتدريبِ العملِي، والتمْكِينِ الوِجداني؛ بإتاحةِ وتطويعِ أقصَى مَدّ الإمكاناتِ الذاتيةِ لمَلَكةِ القَبولِ، ومِثلها الاستعدادِ الداخلي الذاتي لها، وسَطَ تفاعُلِ الفردِ الألمعِي، في مَيدانِ بيئتِهِ الاجتماعيةِ المُثلى؛ واستعدادِه الساعي لتقمّصِ أدوارِه بكَفاءةٍ وأَريحيةٍ عَاليتين، قَولًا، وفِعلًا، وعَملًا؛ ولَا يُشترط حُصولِ المؤهِّل التعليمي العالِي، أو الوظيفِي البارِز، للتفوّق والإبداع، في فنّ صَرحِ هذا المجال الإجتماعي المُتميّز! ولَا يُمكِن - بأي حالٍ مِن الأحوال - إسقاط جَوهر السّماتِ الشخصِيةِ، المكوِّنةِ للشخصيةِ القيادِيةِ الاجتماعيةِ المبرِّزةِ، في مَجالِ القدوةِ الأريحيةِ، ومَيدانِ الريادةِ الاجتماعيةِ، على حدٍ سَواءٍ؛ هذا، ومِن ضِمن تلك السمات الأساس، المُنصبةِ في سُلّم الارتقاءِ والتألّقِ الاجتماعِيين الملحوظَين، في قبضةِ شَخصيةِ الفردِ القيادي الاجتماعي، مِنها: التوزان النفسي، وبُعد النظر، ومَلكةِ الفهم والإفهام، وسَعة الصدر لمُجرياتِ الأُمورِ؛ والدرايةِ بفهمِ الأَحوالِ الشخصيةِِ والاجتماعيةِ؛ ومهارات فنّ التفاوُضِ، ومَهارتي الإقناعِ والتفنيد؛ والقدرةِ على تحليلِ الدوافعِ، والمواقفِ، والانفعالاتِ، وحُسن التعاملِ معهم...!

ولعلّ صَفَّ السِلالِ المُمتلئةِ الشواهدِ، في جَانبِ طَيفِ مَلكاتِ الذكاءِ الاجتماعي، تؤتِى أكُلَها، بعدَ حينٍ؛ وهي كَثيرةٌ ووَفِيرةٌ، عِند أصحابِ أَرصدةِ الهِممِ والمقاماتِ الرفيعةِ؛ ورُوّادِ أصحاب الكراماتِ ”الكاريزمية“ كالأنبياء والرسل، والأئمة، والعظماء مِن طَلائع القادةِ والمُصلحِين… ولَا أنقص - بغَفلةٍ وسَهوةٍ - حُقوقَ مَقامِ شخصياتِ الثلةِ المُبرّزةِ مِن عَباقِرةِ الأجدادِ البرَرَةِ، رَحمَهّم الله تعالى، وأحسنَ مَثواهُم؛ والسائرين على مِنوالهم - ببركةِ الثلةِ المُحترمةِ مِن أسعَد وأمجَد الشخصياتِ المُعاصِرةِ، حفظهم الله ذُخرًا؛ وأبقاهم ذَخِيرةً؛ ليبقى لُبابُ جَذوةِ القُدوةِ مُتّقذةً مُترابطةً، لأجيالٍ قادمةٍ، تنتظرُ، بتلهّفٍ وشغفٍ، إلى ذُروةِ المزِيدِ مِن طلائع روّادِ وقوّادِ نُخبِ التألّقِ الاجتماعي، قي شتى المجالاتِ، المأمولة احتسابًا؛ والمقدّر ظلهم الوارِف مَكانةً...!

واسْتكمالًا لتعلّمِ أسمَى وأنمَى مَهاراتِ إيجابياتِ الذكاءِ الإجتماعي، لَا بُدّ مِن التعريجِ المُتّئد؛ والتصفّح المُتأني، لحُزمِ تلك المزايا ورِزمِ خصالِ الإيجابياتِ المرئيةِ الظاهرةِ، في بِنيةِ شخصِيةِ حَامِلها؛ واستحسانِها تألقًا، في عُيونِ الناسِ، مِن حَولِه… ولعلّ مِن أبرز إشراقةِ تلك السّماتِ والمَزايا الحَسنةِ الاجتماعيةِ الكامنةِ، في - قَسامةِ ووَسامةِ - قاماتِ الشخصيات المَنظورةِ: مَناقبُ الاحترامِ، ومَراتبُ التقديرِ مِن عامّةِ الناس؛ والقدرةُ على التأثيرِ في سُلوكِهم…! هذا، ويَستحضرنِي جَلالَ وهَيبةَ الموقفِ الصائبِ لنبيّنا الكريم، عليه، وعلى آله، وصحبه أفضل الصلاة، وأتمّ التسليم؛ في مَشهدِ الحادثةِ المروِيّة المشهورَة، عِندما اختلف رؤوساء القبائل في إعادة الحجَر الأسود إلى مكانِه، واتّفقوا على أنْ يُحكّموا أوّلَ رَجلٍ يدخُل عليهم؛ فشاء القدرُ، أنْ يَدخل عليهم شخصُ الحبيبِ المُصطفى، ليُدلِي ويُشير عليهم، بالمشورةِ الرائدةِ الذكيةِ المعروفةِ للجميع؛ بَعد أنْ عُرِف - عليه الصلاة والسلامٍ - عنه بلقبِ "الصادقِ الأمينِ، وذلك قبلَ بِعثتِه النبوية الشريفة…!

ومِمَّا يَرفعُ الرأسُ ذِكرًا وإشادةٍ؛ ويُبهجُ الخاطرُ شَرفًا ورِفعةً، أنّ إيجابياتِ ومِثالياتِ ومَحَاسنَ انتهاح فَنّ مُمارسةِ الذكاءِ الاجتماعِي المحمودةِ، مُتاحةٌ سَانحةٌ، للتّقمّصِ، الذاتي؛ وتَبَنِّي انتحال خُصوصِيتها العملية؛ والأخذِ السهلِ الفعّال بمناقبِها، مَا إنْ استحسَن الفردُ انتهاجه، وسَعى إليه، بمَوطئ رِجله، وبغيةِ ذاتِه؛ ليَستشعِرَ ويَفتخرَ بأجلّ مَرامِيه، ويَسعَد بأسمّى مَقاصِدهِ النبيلةِ، في عُقرِ دَواخلِ النفسِ المُطمئنةِ؛ ليزيدِها ألقًا سُلوكيًا مُبهرًا؛ ويكسُوها لَمعانًا اجتماعيًا مَرمُوقًا، يُشارُ إليهما بالبنان، أينما حلّ صَاحبُهُما وارتحَل...! وهِنالك رصيدُ عِلاوةٍ كَسبيةٍ أخرى، تتمثّل في أنّ انتهاجَ سِماتِ الذكاء الاجتماعي لِزامًا، يَحمِي صَاحبَه مِن تَدهورٍ مُحتملٍ في تَدنّي مُستوى دَواخلِ الصحةِ النفسيةِ؛ إذْ كلّما زادَت، وتنامَت، وراجَت أواصرَ إيجابياتِ صَنعةِ الذكاءِ الاجتماعي المُنفتحِ، في أوساط مَيادينِ التواصلِ الاجتماعي الأوسَع، كُلّما تحصّن وتمكّن الفرد الألمعي مِن - رَدّ وصَدّ - عَددٍ مِن مُختلفِ الاعتلالاتِ والأَمراضِ النفسيةِ ومِثلهما: نواتجَ الاضطراباتِ النفسجسديةِ الهادمةِ: كحالاتِ الانطواءِ، والتقوقعِ، وانسحابِ الذاتِ؛ ومِثلها، في اعتلالِ الحانبَ الجسدي: «قُرحةِ المعدةِ، والإثني عَشر؛ وارتفاعِ ضغط َالدم؛ ومرضِ ”الروماتويد“، وفرطِ إفرازاتِ الغددِ الصماءِ…» * وهُنا، يبرز المكسبُ الاجتماعي المتحصّلِ، على صِنفينِ مُتجانسينِ مُتآلفينِ: صنفٌ نفسيٌّ - وِجداني، يقودُ إلى آفاق ذائقة السعادة النفسية؛ وآخر: أنسٌ َجَسدي، يقود إلى ذائقة الانشراح واللّياقة الجسدية… ولا يَخفى أنّ أُطرَ رُبح تلك المَكاسِبِ المتحصّلةِ، ورَيع الغنائِم المَجنيّةِ، هي بعضٌ مٍن نِعمِ الله العُظمَى، على خَلقهِ: «وآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلتُمُوهُ وَإِن تَعدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُمومٌ كَفَّارٌ».

* يوتيوب - حوار مع المعالج النفسي د. أحمد هارون

* يوتيوب - الدكتور متولي - استشاري الطب النفسي - حلقة عن الأمراض النفسجسدية ”بتصرّف“

* سورة ابراهيم - آية 34.