آخر تحديث: 25 / 7 / 2024م - 1:13 م

أراجيز الطف 26

محمد أحمد التاروتي *

تحدث عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب، عندما انحدر إلى الميدان، بأرجوزته في يوم عاشوراء، عن حلاوة الموت في سبيل الشهادة، والعيش بالكرامة في سبيل نيل الحرية، بالإضافة لذلك فإن الأبيات تحمل في طياتها اعترافا واضحا بمدى الصبر، وتحمل مرارة القتل، فثمن الحرية يكون غاليا في الغالب، حيث تمثل الشهادة أبرز الأثمان التي تقدم على طبق من ذهب، مما يستدعي توطين النفس على تحمل التبعات المترتبة، على السير في سبيل الحرية، بالإضافة إلى ذلك فإنه يمقت الذل والهوان، ويفضل السقوط في ساحة الميدان على التفكير في الفرار، فالفرار من أرض المعركة من الكبائر، التي تبقى آثارها باقية المخزية مهما تقادمت السنوات.

ويتناول في الشطر الأول من البيت الأول من الأرجوزة، العزم والإصرار على مواصلة النزال حتى الرمق الأخير، فالمعركة الحامية في ساحة كربلاء لا تقبل سوى الشهادة، والوقوف بشموخ، وعزة أمام الجيش الأموي الجرار، حيث يمثل الانتماء للجيش الأموي كل معاني الذل والهوان، بينما يترجم الوقوف مع معسكر سيد الشهداء العزة والفخر، حيث يجسد القيم الإسلامية، ويدافع بكل ما يملك عن قيم الحرية وطلب الحق لمواجهة الجور والانحراف بكل ما تحمل الكلمة من معنى، فالشهيد أطلق في بداية نزوله ساحة الميدان عبارات تكشف مستوى الشجاعة، والإصرار على نيل الشهادة مهما كانت الظروف والصعوبات، فالخوف من الموت ليس واردا على الإطلاق، نظرا لوجود أهداف سامية وراء هذه المعركة الخالدة، لاسيما وأن القتال سيترك أثرا بالغا على صعيد الأمة الإسلامية، وبالتالي فإن الحرية تستدعي تقديم الغالي والنفيس، دون النظر في الآثار الوقتية المترتبة، على الانخراط في طريق الحق، حيث يقول ”أقسمت لا أقتل إلاّ حراً“.

بينما ينتقل في عجز البيت الأول إلى نظرته للموت وعدم الالتفات إلى المرارة، التي تصاحب إزهاق الروح، فهذه المرارة تتحول إلى حلاوة في سبيل الحق والحرية، الأمر الذي يستدعي المسارعة نحو الموت بكل استقرار وسكينة، فهذه الطريقة من الموت تمثل الحياة والخلود الأبدي في الدنيا والآخرة، لاسيما وأن طلب الحرية يقلب النظرة إلى الموت رأسا على عقب، بحيث تتحول تلك النظرة إلى عشق وطرد الخوف، انطلاقا من الغايات السامية التي تختزلها طريقة الموت، وبالتالي فإن محاولات إدخال الخوف والهروب من الموت، لا تجد أصداء لدى أصحاب العقيدة الراسخة والمبادئ الحقة، حيث يقول ”وقد وجدت الموت شيئاً مراً“.

يتطرق في الشطر الأول من البيت الثاني من الأرجوزة، إلى نظرته لمبدأ الفرار من القتال، فهذه النظرة تتمحور في المقت الشديد لمثل هذه السلوكيات، الفرار يحط من قدر صاحبه، ويسقط قيمته على الصعيد الديني والاجتماعي، خصوصا وأن الهروب من القتال لا ينقذ المرء من الموت على الإطلاق، بقدر ما يترك وصمة عار على الجبين على مر العصور، وبالتالي فإن الوقوف بقوة في وجه العدو يمثل القرار الصائب من جانب، ويرفع من قيمة الإنسان، ويعزز من مكانته الاجتماعية من جانب آخر، لا سيما وأن الشجاعة من الصفات الحميدة لدى الإنسان، فيما الجبن من الصفات الذميمة في جميع الأحوال، فالشهيد يكشف بشكل صريح مقته الشديد إلى صفة ”الجبن“، وفضلا عن التفكير في الفرار من ساحة المعركة، وبالتالي فإنه يفضل الموت على الاتصاف بالفرار أو ”الجبن“، فالقتال مع سبط المصطفى أجدى من الفرار، وعدم النصرة في مثل هذه المواقف المصيرية والخالدة، حيث يقول ”أكره أن أُدعى جبانا فرا“.

بينما يتحدث بصراحة واضحة في عجز البيت الثاني من الأرجوزة، عن صفة ”الجبن“، ومصير الفرار من القتل، فالهروب من ساحة القتال لا ينقذ من الموت بقدر ما يشكل ذنبا كبيرا، وعصيانا لا يجلب سوى الذل والخزي لصاحبه، بالإضافة لذلك، فإن الفرار من القتال من المعاصي الكبيرة، فالإسلام يحرم الفرار من الزحف، باعتباره من الكبائر التي لا تقل عن الكبائر الأخرى المحرمة، في الشريعة الإسلامية، كما أن الجبان لا يجد الاحترام من لدن الجميع، بخلاف المقاتل الشجاع الذي يحظى باحترام العدو قبل الصديق، وبالتالي فإن الفرار يخلق الكثير من المشاكل، على الصعيد الشخصي، ويترك الحسرة والندامة في النفوس، جراء وجود مثل هذه النوعية من الأشخاص في ميادين القتال، لذا فإنه يقول ”إنّ الجبان من عصى وفرا“.

وفي هذا الصدد ذكر الشيخ الصدوق نقلاً عن الإمام السجاد أنّ عبد الله بن مسلم برز إلى الميدان، وهو يرتجز، ويقول:

أقسمت لا أقتل إلاّ حراً
وقد وجدت الموت شيئاً مراً

أكره أن أُدعى جبانا فرا
إنّ الجبان من عصى وفرا

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
نهام القطيف
[ جزيره تاروت ]: 24 / 7 / 2023م - 5:53 ص
كل فرد من اصحاب الحسين خط لنا درس بدمه وشهد شاهد من شهداء الطف علينا (لبيك ياحسين)
كاتب صحفي